من “حرب القيامة” في الشرق الأوسط إلى “ليالي القيامة الانتخابية” في المغرب… حين تتحول حريرة رمضان إلى ذخيرة سياسية

تحليل إخباري: عبدالله مشواحي الريفي
صافرة البداية: إعلان انتخابي يشعل “الاستنفار الحزبي”
في الوقت الذي كانت فيه نشرات الأخبار الدولية مشغولة بالحديث عن سيناريوهات “حرب القيامة” التي لوّحت بها بعض القيادات العسكرية الأمريكية في سياق التوترات المتصاعدة مع إيران في الشرق الأوسط، كان المغرب يعيش لحظة سياسية مختلفة تماماً ولكنها لا تقل إثارة من حيث الرمزية. فبمجرد أن أعلن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، خلال اجتماع مجلس الحكومة، عن التاريخ الرسمي للانتخابات التشريعية المقبلة والمحدد في 23 شتنبر 2026، حتى بدا وكأن المشهد السياسي المغربي قد دخل فجأة في حالة تعبئة عامة تشبه إعلان حالة الحرب، ولكن بأسلحة سياسية وخطابية بدلاً من الصواريخ والدبابات. لم تمر سوى ساعات قليلة حتى تحركت الأحزاب السياسية بسرعة لافتة، وكأنها كانت تنتظر فقط إطلاق صافرة البداية لتبدأ سباقاً انتخابياً مبكراً، فتحولت الأجندات الحزبية بين ليلة وضحاها من حالة السكون إلى حالة نشاط غير مسبوقة، مع اجتماعات تنظيمية طارئة ولقاءات سياسية مستعجلة وندوات ظهرت فجأة في برامج الأحزاب رغم أنها لم تكن مبرمجة من قبل.
خروج القادة من المخابئ السياسية
كما في الحروب الكبرى حين تغادر القيادات العسكرية مراكزها المحصنة لتفقد الجبهات، خرج عدد من قادة الأحزاب في المغرب من مكاتبهم المكيفة في العاصمة واتجهوا بسرعة نحو الأقاليم والجهات، في جولات سياسية بدت أشبه بحملات استطلاع ميداني مبكرة. فجأة أصبح السياسي الذي كان بالكاد يظهر في الأسواق الشعبية أو الأحياء الهامشية ضيفاً دائماً على اللقاءات المحلية، وأصبحت الصور الجماعية مع المواطنين تتكاثر بشكل لافت، وكأن علاقة القرب التي غابت لسنوات اكتُشفت من جديد مع اقتراب موسم صناديق الاقتراع. هذا النزول الميداني المفاجئ أعطى الانطباع بأن عدداً من الأحزاب قرر فتح جبهة انتخابية مبكرة، حيث لم يعد الأمر يتعلق فقط بإدارة العمل السياسي من المقرات المركزية، بل بمحاولة كسب مواقع متقدمة داخل المجال الاجتماعي قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية رسمياً.
رمضان… حين تتحول الحريرة إلى “ذخيرة انتخابية”
غير أن المفارقة الأكثر إثارة في هذا المشهد السياسي تكمن في تزامنه مع شهر رمضان، الذي تحول في بعض المدن إلى ما يشبه موسم اللقاءات السياسية الليلية. ومع نهاية الإجتماع و قدوم الإفطار مباشرة تبدأ القاعات والفنادق والمقرات الحزبية في استقبال المدعوين لحضور ندوات ولقاءات تواصلية غالباً ما تكون مصحوبة بأطباق الحريرة والشباكية وكؤوس الشاي. وبينما يفترض أن تكون ليالي رمضان مخصصة لصلاة التراويح والتأمل الروحي، تحولت في بعض الأحيان إلى منصات للنقاش السياسي والتلميحات الانتخابية، حيث تتقاطع التحليلات حول مستقبل الانتخابات مع أحاديث جانبية عن التحالفات المحتملة والمرشحين المرتقبين. وهكذا أصبحت “الحريرة الرمضانية” في بعض اللقاءات أشبه بذخيرة انتخابية ناعمة تُستعمل لجذب الحضور وخلق أجواء سياسية تبدو في ظاهرها اجتماعية، لكنها في العمق تحمل رسائل انتخابية واضحة.
دكاكين الذخيرة الحزبية تفتح أبوابها
ومع بداية هذا الحراك، فتحت ما يمكن تسميته مجازاً بـ“دكاكين الذخيرة السياسية” أبوابها على مصراعيها، حيث بدأ كل حزب في استخراج مخزونه الخطابي استعداداً لمعركة طويلة قد تمتد لأشهر. هناك من تحدث عن حصيلة إنجازاته الحكومية واعتبرها دليلاً على أهليته لقيادة المرحلة المقبلة، وهناك من اختار استراتيجية الهجوم المباشر على خصومه متهماً إياهم بالفشل أو التقصير، بينما رفعت أحزاب أخرى شعار “القرب من المواطن” و إستمالته من خلال قفة رمضانية سرية بعد أن أعلنت وزارة الداخلية هي كذلك الحرب على قفة الأحزاب و الجمعيات الموالية و التي تستمعل عادة في محاولة لإعادة بناء الجسور مع الفئات الهشة و التي تستعمل كخزان إنتخابي خلفي يرسم موازين القوة. غير أن المتابعين للشأن السياسي يلاحظون أن جزءاً كبيراً من هذه المقذوفات الخطابية يظل في كثير من الأحيان فارغاً من الذخيرة الاجتماعية الحقيقية، حيث تتكرر العبارات نفسها التي رافقت حملات انتخابية سابقة دون أن تقدم بالضرورة حلولاً ملموسة للمشاكل اليومية التي يواجهها المواطن.
سباق وهمي نحو المرتبة الأولى
ومن أكثر الظواهر التي تضفي طابعاً ساخراً على المشهد الانتخابي المبكر أن عدداً من الأحزاب بدأ منذ الآن في إعلان انتصاره المرتقب في انتخابات لم تبدأ حملتها بعد. فكل حزب تقريباً مقتنع بأنه سيحتل المرتبة الأولى، وكل زعيم سياسي يتحدث بثقة كبيرة عن “المفاجأة الانتخابية” التي سيحققها تنظيمه يوم الاقتراع. هذا التفاؤل الجماعي يخلق مشهداً أقرب إلى مفارقة سياسية طريفة، حيث يبدو وكأن جميع الفرق تستعد للفوز في المباراة نفسها، في حين أن الواقع الانتخابي لا يسمح إلا بفائز واحد في نهاية المطاف. وبين التصريحات المتفائلة والتوقعات المبالغ فيها، يظل السؤال معلقاً حول مدى قدرة هذه الأحزاب على تحويل خطابها السياسي إلى برامج عملية تقنع الناخبين بالفعل.
المواطن… الهدف المؤقت للسياسة الموسمية
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يصبح المواطن فجأة محور الخطاب السياسي. السياسيون يتحدثون باسمه، الأحزاب تتنافس على كسب ثقته، والوعود الانتخابية تتكاثر في كل اتجاه. غير أن كثيراً من المتابعين يلاحظون أن هذا الاهتمام المكثف بالمواطن غالباً ما يكون موسمياً، يظهر بقوة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ثم يتراجع تدريجياً بعد انتهاء الحملات. وهكذا يجد المواطن نفسه في قلب معركة سياسية يبدو فيها الجميع حريصين على التقرب منه، بينما يظل الحكم النهائي بيده وحده يوم يتوجه إلى صندوق الاقتراع.
بين الحرب الحقيقية والحرب الانتخابية
قد تبدو المقارنة بين “حرب القيامة” التي يتحدث عنها العسكريون في الشرق الأوسط وبين ما يجري في الساحة السياسية المغربية مجرد استعارة ساخرة، لكن في العمق تحمل هذه المقارنة دلالة رمزية واضحة. فبينما تقوم الحروب العسكرية على الصواريخ والأسلحة الثقيلة، تقوم الحروب الانتخابية على “الحريرة” و “القفة”و الخطابات والوعود والتحالفات. وفي الحالتين معاً هناك تعبئة واستنفار وخطط واستراتيجيات، لكن الفارق الجوهري أن المعركة الانتخابية تُحسم في النهاية بصوت الناخب داخل صندوق الاقتراع، لا بصوت المدافع في ساحات القتال.
الطريق إلى شتنبر… أشهر من الضجيج السياسي
ومع تحديد موعد الانتخابات في 23 شتنبر 2026، يبدو أن المغرب مقبل على أشهر طويلة من الحراك السياسي الذي سيزداد سخونة كلما اقترب موعد الاقتراع. الاجتماعات الحزبية ستتكاثر، الجولات الميدانية ستتوسع، والخطابات السياسية ستزداد حدة، بينما ستستمر اللقاءات الرمضانية في لعب دورها كمنصات غير رسمية للنقاش السياسي. وبين كل هذه التحركات سيظل المواطن المغربي يتابع المشهد بقدر من الفضول وربما أيضاً بقدر من السخرية، في انتظار اللحظة الحاسمة التي سيتحول فيها كل هذا الضجيج السياسي إلى اختبار حقيقي داخل صناديق الاقتراع.






