“الأيادي البيضاء” تضع المشهد السياسي تحت المجهر قبل الاستحقاقات المقبلة: الدولة تتحرك لتأمين نزاهة الانتخابات وقطع الطريق على المال الفاسد وشبكات السمسرة الانتخابية

مع اقتراب المواعيد الانتخابية المقبلة، يدخل المشهد السياسي المغربي مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات تجديد الثقة مع تحديات تخليق الحياة العامة، في ظل معطيات تؤكد استمرار بعض الممارسات التي أضرت بصورة الانتخابات خلال محطات سابقة، وهو ما دفع السلطات إلى التحضير لإطلاق حملة واسعة تحمل اسم “الأيادي البيضاء”، تروم إعادة ضبط قواعد التنافس الديمقراطي ووضع حد لكل أشكال الانحراف التي تسيء للعملية الانتخابية.
هذه الحملة، وفق معطيات متطابقة، لا تُقرأ فقط كإجراء ظرفي مرتبط بسياق انتخابي، بل كجزء من مقاربة شاملة تسعى إلى تحصين المسار الديمقراطي من الاختراقات التي ظلت لعقود تفرغ الانتخابات من مضمونها، سواء عبر توظيف المال غير المشروع، أو استغلال الهشاشة الاجتماعية، أو توظيف شبكات النفوذ المحلي للتأثير على إرادة الناخبين.
وفي صلب هذه الدينامية، يبرز توجه واضح نحو تشديد المراقبة القبلية، حيث تستعد الأجهزة الأمنية، بتنسيق مع السلطات القضائية، لتتبع دقيق لكل الأسماء التي تعتزم خوض غمار الاستحقاقات المقبلة، خاصة تلك التي تحوم حولها شبهات تتعلق بالفساد أو استغلال النفوذ أو الارتباط بأنشطة غير قانونية، وهو ما يعكس تحولاً نوعياً في التعاطي مع ملف النزاهة الانتخابية، من رد الفعل بعد وقوع المخالفات إلى منطق الوقاية والاستباق.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن السلطات تتوفر على قواعد بيانات دقيقة تضم أسماء منتخبين ومسؤولين محليين وبرلمانيين سابقين، ارتبطت أسماؤهم بملفات قضائية أو اختلالات تدبيرية أو شبهات في مصادر الثروة، وهو ما يضع هؤلاء تحت مجهر المتابعة، ويجعل من إمكانية ترشحهم خاضعة لرقابة صارمة، في خطوة تهدف إلى تنقية المشهد السياسي من الوجوه التي أضعفت ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
ولا يقتصر هذا التوجه على البعد الأمني فقط، بل يندرج ضمن رؤية أوسع تقودها مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الداخلية المغربية، التي تعمل على تنزيل إجراءات تنظيمية وقانونية تضمن تكافؤ الفرص بين المرشحين، وتمنع استغلال النفوذ أو المال في التأثير على نتائج الاقتراع، وذلك في انسجام مع التوجيهات الكبرى الرامية إلى تخليق الحياة السياسية وتعزيز مصداقية الانتخابات.
وفي السياق ذاته، يُنتظر أن يشكل دور النيابة العامة محورياً في هذه المرحلة، من خلال التتبع القضائي الفوري لأي خرق محتمل، سواء تعلق الأمر بشراء الأصوات أو استغلال الوسائل العمومية أو خرق قواعد الحملة الانتخابية، وهو ما من شأنه أن يبعث برسائل واضحة مفادها أن زمن الإفلات من العقاب في الجرائم الانتخابية يقترب من نهايته.
ويرى مراقبون أن إطلاق حملة “الأيادي البيضاء” يعكس وعياً متزايداً بخطورة استمرار بعض السلوكات التي تُفسد العملية الديمقراطية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، حيث لم تعد الأساليب التقليدية في التأثير على الناخبين مقبولة، في عصر أصبحت فيه الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وكشف التجاوزات.
كما أن هذه الحملة تأتي في سياق وطني يتسم بإرادة قوية لإعادة الاعتبار للعمل السياسي، بعد سنوات من تراجع الثقة، حيث ينتظر المواطنون انتخابات تعكس إرادتهم الحقيقية، وتفرز نخباً قادرة على تدبير الشأن العام بكفاءة ونزاهة، بعيداً عن منطق الريع الانتخابي والزبونية.
غير أن نجاح هذه المقاربة يظل رهيناً بعدة عوامل، في مقدمتها الصرامة في تطبيق القانون، وعدم التساهل مع أي خرق مهما كان مصدره، إضافة إلى ضرورة انخراط الأحزاب السياسية نفسها في عملية التخليق، عبر تقديم مرشحين يتمتعون بالمصداقية والكفاءة، بدل إعادة تدوير نفس الوجوه التي ارتبطت بالاختلالات.
كما يبقى دور المواطن حاسماً في هذه المعادلة، من خلال الوعي بخطورة بيع الصوت الانتخابي، ورفض كل أشكال الاستغلال، لأن أي إصلاح حقيقي للعملية الانتخابية لا يمكن أن ينجح دون مشاركة مجتمعية واعية تدافع عن نزاهة الاختيار الديمقراطي.
في المحصلة، تبدو حملة “الأيادي البيضاء” بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض قواعد جديدة في اللعبة السياسية، قوامها الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي خطوة، إذا ما تم تنزيلها بصرامة واستمرارية، قد تشكل نقطة تحول مفصلية نحو انتخابات أكثر نزاهة ومشهد سياسي أكثر مصداقية، يعيد الثقة للمواطن ويمنح المؤسسات المنتخبة شرعية قوية قائمة على الاختيار الحر والنزيه.






