سياسة

محمد أوزين يدق ناقوس التنبيه حول مستقبل الصناعة بالمغرب… أمين عام الحركة الشعبية يدعو إلى “عقيدة صناعية وطنية” تتجاوز نموذج التجميع

في سياق النقاش المتجدد حول مستقبل الصناعة الوطنية ورهانات التحول الاقتصادي بالمغرب، أطلق الأمين العام لحزب محمد أوزين، تحذيراً واضحاً من بعض الاختلالات البنيوية التي ما زالت تعترض مسار التجربة الصناعية بالمملكة، معتبراً أن النموذج الصناعي القائم حالياً يحتاج إلى مراجعة عميقة حتى يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل.

وجاءت مواقف أوزين، الذي يشغل أيضاً مهمة نائب برلماني وأمين عام حزب الحركة الشعبية، خلال مشاركته في ندوة فكرية حملت عنوان “منظومات التسريع الصناعي: أي وقع اقتصادي على الصعيد الوطني”، والتي احتضنتها إحدى الفعاليات الأكاديمية والاقتصادية يوم الجمعة 6 مارس 2026.

إشادة بالإنجازات… مع التنبيه إلى الاختلالات

وخلال مداخلته، أقر أوزين بأن المغرب استطاع خلال العقدين الأخيرين تحقيق قفزة مهمة في عدد من القطاعات الصناعية الاستراتيجية، مستشهداً خصوصاً بصناعة السيارات والطيران والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات نجحت في ترسيخ حضور المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية وجذب اهتمام كبريات الشركات الدولية.

وأشار إلى أن هذه الدينامية الصناعية ساهمت في تعزيز جاذبية الاقتصاد المغربي، كما مكنت البلاد من استقطاب استثمارات أجنبية مهمة، ما ساعد على تطوير البنيات الصناعية وخلق فرص عمل في عدد من الجهات.

غير أن الأمين العام للحركة الشعبية شدد في المقابل على أن هذه النجاحات، رغم أهميتها، لم تترجم بعد إلى تحول اقتصادي عميق داخل النسيج الإنتاجي الوطني، مبرزاً أن أحد أبرز الإشكالات المطروحة يتمثل في كون المغرب تحول في كثير من الأحيان إلى مجرد منصة لاستقبال الاستثمارات الأجنبية، دون أن يواكب ذلك بناء قدرات إنتاجية وطنية قوية.

تحدي الاندماج الصناعي المحلي

وأوضح أوزين أن الإشكال الجوهري يكمن في ضعف نسبة الاندماج المحلي داخل المنظومات الصناعية الكبرى، حيث تظل العديد من الأنشطة الصناعية مرتبطة بسلاسل إنتاج خارجية، بينما يبقى حضور المقاولة المغربية محدوداً داخل هذه المنظومات.

وأضاف أن استمرار هذا الوضع يجعل الاقتصاد الوطني يستفيد جزئياً فقط من الاستثمارات الصناعية، دون أن يتمكن من تحقيق الأثر البنيوي الكامل الذي يفترض أن تخلقه الصناعة في مجالات نقل التكنولوجيا وبناء الخبرات الوطنية.

وأكد أن الصناعة المغربية لن تحقق دورها التنموي الكامل إذا ظلت موجهة أساساً نحو التصدير دون أن تساهم في بناء نسيج صناعي محلي متماسك قادر على إنتاج القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

من “التجميع الصناعي” إلى الإنتاج والابتكار

وفي هذا السياق، دعا أوزين إلى إعادة النظر في النموذج الصناعي المعتمد حالياً، من خلال الانتقال من نموذج يقوم في جزء منه على التجميع الصناعي إلى نموذج جديد يرتكز على الإنتاج الحقيقي والابتكار.

ويرى المسؤول الحزبي أن هذا التحول ضروري لتعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة، خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة والتنافسية المتزايدة بين الاقتصادات.

كما شدد على أن الاقتصاد المغربي بحاجة إلى رؤية صناعية أكثر طموحاً، قادرة على تحويل الاستثمارات الأجنبية إلى رافعة لبناء قاعدة إنتاجية وطنية متينة، بدلاً من الاكتفاء بدور محدود داخل سلاسل الإنتاج العالمية.

دعم المقاولات الوطنية

ومن بين النقاط التي ركز عليها أوزين خلال مداخلته ضرورة تمكين المقاولات المغربية، خاصة الصغرى والمتوسطة، من الاندماج بشكل فعلي داخل المنظومات الصناعية الكبرى.

وأوضح أن هذه المقاولات تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد صناعي ناجح، غير أنها ما زالت تواجه عدداً من التحديات المرتبطة بالتمويل والتأهيل التكنولوجي والولوج إلى الأسواق.

وأكد أن إدماج هذه المقاولات داخل سلاسل الإنتاج العالمية من شأنه أن يعزز حضورها الاقتصادي ويساهم في خلق فرص شغل مستدامة، خصوصاً لفائدة الشباب المغربي.

نحو “عقيدة صناعية مغربية”

وفي محاولة لتقديم تصور بديل، اقترح الأمين العام للحركة الشعبية بلورة ما وصفه بـ“عقيدة صناعية مغربية جديدة”، تقوم على منطق التعلم التدريجي وتراكم الخبرات الصناعية الوطنية.

وأوضح أن هذه المقاربة يجب أن ترتكز على ثلاثة محاور أساسية.

المحور الأول يتعلق بتوسيع الأسواق وتعزيز القدرات الإنتاجية في القطاعات التي تمكن المغرب من اكتساب خبرة فيها خلال السنوات الماضية، مثل الصناعات الميكانيكية وصناعة السيارات والخدمات اللوجستية.

أما المحور الثاني فيتمثل في دعم المقاولات الصناعية الصغرى والمتوسطة وتمكينها من الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، حتى تصبح فاعلاً رئيسياً داخل المنظومة الصناعية الوطنية.

بينما يقوم المحور الثالث على إطلاق جيل جديد من الصناعات المرتبطة بالقدرات العلمية والتكنولوجية للمغرب، بما يسمح بالانتقال تدريجياً إلى اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة.

تقييم السياسات الصناعية

وفي تقييمه للسياسات الصناعية الحالية، اعتبر أوزين أن الإشكال لا يكمن في غياب المخططات أو البرامج الحكومية، مشيراً إلى أن المغرب أطلق خلال السنوات الماضية عدداً من الاستراتيجيات الصناعية الطموحة.

غير أنه شدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المبادرات إلى منظومة صناعية متكاملة قادرة على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

وأوضح أن نجاح أي سياسة صناعية لا يقاس فقط بعدد المناطق الصناعية أو بحجم الاستثمارات الأجنبية التي يتم استقطابها، بل بمدى قدرتها على تطوير المقاولة الوطنية، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.

رهانات المرحلة المقبلة

واختتم محمد أوزين مداخلته بالتأكيد على أن المغرب يمتلك مؤهلات كبيرة ليصبح قوة صناعية إقليمية، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توجيه الجهود نحو بناء منظومة إنتاجية وطنية متكاملة.

كما شدد على أن المرحلة المقبلة تفرض اعتماد مقاربة أكثر جرأة في السياسات الصناعية، تضع في صلب أولوياتها تطوير القدرات الوطنية وتعزيز دور المقاولة المغربية داخل الاقتصاد.

وبينما تتسارع التحولات الاقتصادية على المستوى العالمي، يرى عدد من المتابعين أن النقاش الذي أثاره أمين عام الحركة الشعبية يعكس الحاجة إلى إعادة التفكير في النموذج الصناعي المغربي، بما يضمن تحقيق تنمية اقتصادية أكثر توازناً واستدامة خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى