جدل كبير في فاس حول أولويات الإنفاق والواقع المتردي للمدينة في دورة فبراير للمجلس الجماعي

عرفت مدينة فاس خلال أشغال دورة فبراير العادية لمجلس الجماعة، التي انعقدت يوم أمس الخميس، تصعيدًا غير مسبوق في حدة الانتقادات الموجهة إلى عمدة المدينة وفريق التحالف الرباعي المسير للشأن العام، على خلفية مشروع إحداث محطة للتزلج بتكلفة تقديرية تُقارب 55 مليار درهم، من بينها مساهمة جماعية تقدر بنحو 7 مليارات درهم. وقد انصبّ معظم النقد الموجه للسلطة المحلية على ما اعتُبر اختلالًا في ترتيب الأولويات، في وقت تعيش فيه المدينة أزمات بنيوية حقيقية تمس الحياة اليومية للساكنة وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول الاستثمارات العمومية والأهداف المعلنة، مقارنة مع حاجات المواطنين اليومية.
وأجمع أعضاء المعارضة ومهتمون بالشأن المحلي خلال مناقشاتهم في الجلسة، أن خدمات القرب الأساسية تمثل أولوية ملحة للمدينة قبل التفكير في مشاريع كبرى على غرار محطة التزلج، إذ لا تزال ساكنة فاس تعاني من أوضاع ميدانية متردية للبنية التحتية، خاصة في ما يتعلق بالبنية الطرقية، حيث تظهر الشوارع في العديد من الأحياء في حالة تدهور واضح مع حفر ومطبات غير معالَجة تتحول إلى مستنقعات مع أولى زخات الأمطار، مشيرة إلى أن هذه المؤشرات قد تؤثر سلبًا على الصحة والسلامة العامة. هذه الملاحظات الميدانية تنسجم مع ما رصده مراقبون في السابق حول تدهور بعض البنى الحضرية في المدينة، بما في ذلك الطرق والأرصفة التي أصبحت محفوفة بالمخاطر وتؤثر على الحركة اليومية للسكان، خصوصاً عند تساقط الأمطار.
كما تفاعل المنتقدون بشكل قوي مع ما وصفوه بتوزيع مبالغ مالية ضخمة على أكثر من 60 جمعية، في إطار ميزانية الجماعة، وهو ما اعتُبر من قبلهم توزيعًا غير منسجم مع أولويات تحسين الخدمات الأساسية. وقد أثير في النقاش كذلك ملف تدبير قطاع النظافة الذي لا يزال يثير الجدل، بعد اتهامات متبادلة حول ضعف أداء الشركات المفوض إليها هذا القطاع، وعدم تنزيل دفتر التحملات بالشكل المطلوب، مما أدى إلى تراكم النفايات في عدة أحياء، وتذمر المواطنين من غياب تنظيم واضح يضمن النظافة اليومية والمنتظمة في كل أحياء المدينة. وقد تمت الإشارة إلى شكاوى من تسييس قطاع النظافة أو تدخلات غير شفافة في صفقات هذا القطاع الحيوي، وهو ما دفع بعض المستشارين إلى مراسلة والي الجهة لفتح تحقيق في الموضوع وتطبيق القوانين المعمول بها لضمان نزاهة الصفقات واحترام الالتزامات القانونية.
وتزامن هذا الجدل مع مطالب متكررة لدى الساكنة بخصوص انعدام الإنارة العمومية في أحياء عديدة وتحويل الشوارع إلى مسالك خطرة بعد حلول الظلام، إضافة إلى عدم استقرار وتنظيم النقل الحضري والمرافق المرتبطة به، وهو ما يجعل الحياة اليومية أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت. وقد لوحظ من خلال النقاشات أن العديد من المواطنين يعتبرون هذه القضايا حصاد سنوات من الإهمال النسبي لأبسط الخدمات التي تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة، وأن التركيز على مشاريع كبرى لا يجب أن يكون على حساب هذه الأساسيات.
وفي هذا السياق، أشار منتقدون إلى ما حدث في دورات سابقة، حيث شهد المجلس الجماعي لفاس انقسامات داخل الأغلبية وعدم توافق على المصادقة على الميزانية أكثر من مرة، بما في ذلك إسقاط مشروع الميزانية برسم سنة 2026 خلال دورة أكتوبر الماضي، في مشهد يعكس توترًا داخل هياكل التدبير والاختلافات حول أولويات الإنفاق.
من جانبه، دافع عمدة فاس عن مشروع محطة التزلج بوصفه فرصة لتنويع العرض الرياضي والترفيهي في المدينة، موضحًا أن القاعة المقررة في موقع طريق إيموزار ستكون الأكبر من نوعها في فاس والمغرب، وقد صُممت لاستيعاب نحو 7 آلاف متفرّج، مع إمكانيات لاستضافة الفعاليات الرياضية والفنية على حد سواء. وأكد أن المشروع سيخرج إلى حيز الوجود قبل نهاية سنة 2027، بتمويل تشاركي يضم الجماعة وزارات مركزية مثل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وزارة الثقافة والشباب والتواصل، وزارة الداخلية، ومجلس جهة فاس‑مكناس، ما يعكس، حسبه، تعاونًا موسعًا بين السلطات لضمان إنجاز مشروع ذو بعد تنموي واستثماري.
لكن هذا التبرير لم يرق للمعارضين الذين يعتبرون أن المشاريع الكبرى يجب أن تُبنى على أساس قواعد تنموية محكمة وتدرج واضح في الأولويات، إذ يرون أن المدينة تحتاج إلى صيانة الطرق وترميمها، مواجهة مشاكل النظافة والإضاءة، توفير وسائل نقل حضري فعّالة، وإشراك فعلي للمواطنين في تحديد أولويات الاستثمار، وهي مطالب تجمع بين تحليل واقعي وقراءة سياسية لأسباب ذلك التصاعد في الانتقادات.
وتظل فاس اليوم في مفترق طرق بين أولويات بنيوية تتعلق بجودة الحياة اليومية للساكنة، و مشاريع كبرى يمكن أن ترفع من صورة المدينة على المستوى الوطني، في سياق يرتبط بتحديات اقتصادية وتنموية كبيرة تتطلب، وفق كثير من المراقبين، حوارًا شفافًا يربط بين الطموح والمصلحة المعيشية للمواطن، وضمان أن يكون الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية مواكبًا لأي توجه تنموي واسع.






