مجتمع

فاس بين وهج الاستعداد لكأس إفريقيا وظلّ التسول: مشاهد يومية تُقلق الساكنة وتُحرج المدينة

مع اقتراب موعد توافد الزوار والوفود الرياضية والإعلامية على المغرب، في إطار الاستعدادات الجارية لاحتضان كأس إفريقيا للأمم، تعود مدينة فاس إلى واجهة النقاش العمومي، لا من باب مؤهلاتها التاريخية والحضارية، بل بسبب تنامي مظاهر اجتماعية مقلقة باتت تؤرق الساكنة وتسيء لصورة العاصمة العلمية للمملكة.

ففي عدد من الشوارع الرئيسية ونقط العبور الحيوية، خاصة عند الإشارات الضوئية، أصبح التسول ظاهرة يومية مستفحلة، تتخذ أشكالا متعددة، أبرزها الإنزال الشامل لمهاجري جنوب الصحراء و كذلك تسخير استغلال الأطفال من طرف شبكات متخصصة، وانتشار مجموعات من المتسولين الذين يفرضون حضورهم بإلحاح مزعج مستعملين شتى الوسائل على السائقين ومستعملي الطريق، في مشاهد لم تعد استثنائية، بل تحولت إلى جزء من المشهد الحضري اليومي.

ولا يقف الإزعاج عند حدود الاستجداء فقط، إذ تتحدث شهادات متطابقة لعدد من المواطنين عن حالات يُشتبه فيها بتعاطي بعض المتسولين لمواد مخدِّرة، من بينها مادة معروفة في الأوساط الشعبية باسم “السيلسيون”، وهو ما يضاعف من خطورة الوضع، سواء من حيث السلامة العامة أو من حيث الصورة التي تنعكس عن المدينة لدى الزوار الأجانب والمغاربة على حد سواء.

وفي هذا السياق، يطرح فاعلون محليون تساؤلات حارقة حول دور المجالس المنتخبة في التعاطي مع هذا الملف الاجتماعي الشائك، خاصة أن القانون التنظيمي للجماعات 14-113، وتحديدا المادة 87، حمّل هذه المجالس مسؤولية واضحة في مجال الرعاية الاجتماعية، من خلال إحداث دور العمل الخيري، ومراكز الإيواء، ومرافق مخصصة للفئات الهشة، بما فيها المشردون والأطفال في وضعية صعبة.

غير أن الواقع الميداني بفاس يكشف، وفق متتبعين، عن ضعف واضح في أداء الأقسام الاجتماعية التابعة للجماعات والمقاطعات، سواء على مستوى الرصد والتتبع أو على مستوى التدخل الاستباقي، رغم أن مهامها لا تندرج في خانة العمل التطوعي، بل في صلب الاختصاصات القانونية المخولة لها، والتي تشمل التنسيق مع مؤسسات الصحة والرعاية والإيواء.

ويزداد هذا التقاعس إثارة للقلق في مرحلة دقيقة، تستعد فيها فاس لاستقبال جماهير قادمة من مختلف بقاع إفريقيا والعالم، لاكتشاف مدينة عريقة يفترض أن تعكس وجها حضاريا وإنسانيا يليق بتاريخها ومكانتها. فالصورة التي تُقدَّم اليوم عند بعض التقاطعات الطرقية وأمام المقاهي والساحات العمومية، لا تنسجم مع الخطاب الرسمي حول التأهيل الحضري والانفتاح السياحي.

ويؤكد فاعلون مدنيون أن التسول المنظم لم يعد تعبيرا عن فقر معزول، بقدر ما أصبح نشاطا قائما بذاته، يستغل العاطفة الدينية والإنسانية للمواطنين، ويعتمد في أحيان كثيرة على أساليب ضغط لفظي وسلوكي، تصل أحيانا إلى السبّ والمضايقة، ما يخلق شعورا عاما بالانزعاج وفقدان الإحساس بالأمان.

أمام هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالِبة بتدخل عاجل وحازم، لا يقوم فقط على المقاربة الأمنية، بل على تفعيل حقيقي للآليات الاجتماعية المنصوص عليها قانونا، وإعادة الاعتبار لدور الجماعات الترابية في حماية الفئات الهشة، بدل ترك الشارع يتحول إلى فضاء مفتوح للفوضى والاستغلال.

فاس، وهي تستعد للظهور أمام عدسات العالم، مطالَبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بربح رهان الكرامة الاجتماعية، لأن جمال المدن لا يُقاس فقط بحجرها وتاريخها، بل أيضا بقدرتها على صون إنسانها وتنظيم فضائها العام بما يليق بمكانتها ورهاناتها المستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى