صحة

فضيحة “قوافل الذل” بفاس: مجلس العمالة يتاجر بهموم المعوزين على طريق الانتخابات المبكرة.. في غياب رقابة السلطات

تعيش مدينة فاس على وقع “استعراض سياسي” غير مسبوق، يتمثل في تدفق القوافل الطبية والحملات ذات الطابع الاجتماعي التي تحولت إلى أداة رخيصة لاستغلال المواطنين المعوزين وتصفية حسابات انتخابية سابقة لأوانها. فبدل أن ينكب مجلس عمالة فاس على مهامه الأساسية في تدبير شؤون الساكنة والجماعات القروية التي تغرق في الأوحال والمشاكل البنيوية، اختار المجلس التوجه نحو تنظيم حملات طبية مشبوهة، بالتعاون مع جهات صحية رسمية، مما يثير تساؤلات حارقة حول نزيف المال العام وشرعية هذه الممارسات.

 المستشفيات الرسمية شريك في الفضيحة!

الخطورة الأكبر تكمن في أن هذه “الحملات السياسية” تجري بـ شراكة رسمية ومفضوحة مع مؤسسات الدولة. الإعلان عن تنظيم حملات طبية متعددة الاختصاصات (كما يظهر في الملصق المرفق) بالتعاون مع جهات حكومية مثل المنذوبية الإقليمية لوزارة الصحة والمستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس، يحول المؤسسات العمومية التي يفترض أن تقدم العلاج الدائم والمجاني إلى مجرد “ممول لوجستي” للحملات الانتخابية.

من يوقف نزيف هذه الفضيحة؟

  • نزيف الموارد: هذه القوافل تُفرغ المستشفيات العمومية والمراكز الصحية بالجهة من كوادرها الطبية وأدوية “وزارة الصحة” التي تُوزع بلا حسيب ولا رقيب، في الوقت الذي تفتقر فيه المستشفيات الجهوية لأبسط شروط التداوي اليومي.

  • تواطؤ مؤسساتي: مشاركة المؤسسات الصحية الرسمية في حملات ذات طابع “إشهاري” لمنتخبي مجلس العمالة، هو خيانة للأمانة العامة وتكريس لاستغلال المال العام (الأدوية والموظفين) في خدمة الأجندات الحزبية.

    السلطات.. غياب الرقابة والمساهمة في الفوضى

    إن ما يزيد من خطورة هذه الظاهرة هو الغياب التام لدور السلطات الإقليمية والمحلية في الرقابة على هذه الحملات، بل ومساهمتها المباشرة في ترسيخ هذه الفوضى:

    • اتساهم السلطات، ممثلة في الأجهزة المكلفة بالترخيص، في شرعنة هذه القوافل الطبية ذات الطابع السياسي والانتخابي الصارخ، دون التمييز بين الأنشطة الجمعوية الهادفة والأنشطة المسيسة غير المكافئة التي تخدم أجندات فردية أو حزبية.

    •  يمثل صمت السلطات عن تحول المستشفيات والموارد الصحية العمومية إلى أداة إشهارية للسياسيين نوعاً من التغاضي الذي يُفسر على أنه قبول ضمني بهذه المتاجرة بكرامة المواطن وحقوقه الصحية.

    •  لا يتم إخضاع هذه القوافل، التي تستنزف أدوية الدولة وجهود أطرها، لأي تقييم حقيقي أو مساءلة حول جدواها مقارنة بالكلفة والمردودية، مما يؤدي إلى تفاقم التبذير وتعميق أزمة الخدمات الطبية الدائمة و كأن فاس و الجهة لا تتوفر على مستشفيات عمومية تخدم الساكنة و تنزل المنظومة الصحية الجديدة التي أرادها جلالة الملك محمد السادس.

 مجلس عمالة فاس: إغراق في “غرف سوداء” وتبذير للمال العام

إن الأجدر بمجلس عمالة فاس، الذي يشتغل في “غرفة سوداء لا تعرف عنها الساكنة أي شيء”، هو الالتفات إلى هموم المواطنين الحقيقية التي لا تُحل بقافلة عابرة:

  • الأولوية المنسية: بدلاً من الإنكباب على تنظيم حملات موسمية، كان الأجدر بالمجلس دعم البنيات التحتية الأساسية للجماعات القروية التي تعاني من الأوحال والهشاشة، ومعالجة مشكل أبناء الأحياء الذين يلعبون في الشوارع لغياب فضاءات القرب الضرورية.

  • تبذير عبر الجمعيات: استمرار المجلس في دعم الجمعيات من المال العام بطريقة قد تكون انتقائية، يضع علامات استفهام حول جدوى هذا الدعم في ظل تزايد مظاهر الفقر والحاجة، خاصة عندما تكون الجمعيات المستفيدة مجرد واجهة لمنتخبين.

 البرلمانيون: من الترافع في قبة البرلمان إلى “التسابق على قافلة الذل”

يعكس التسابق المحموم لرؤساء المجالس والبرلمانيات على “الظهور” في هذه القوافل الطبية المسيسة، انحداراً في مستوى العمل التمثيلي:

  • انقلاب الأدوار: مهمة البرلمانيات ليست التقاط صور “الذل” وهن يقمن بتوزيع دواء الدولة على المواطنين. مهمتهن الأساسية هي الترافع بقوة في قبة البرلمان من أجل فتح المزيد من المراكز الصحية القرب ودعم المستشفيات الجهوية بميزانيات حقيقية وموارد بشرية دائمة.

  • استغلال موسمي: هذا الاستغلال السياسي المكثف يخدم فترة معينة بوضوح: قرب الانتخابات التشريعية المقبلة. وهو ما يثبت أن هذه الحملات ما هي إلا غطاء إنساني لعملية شراء أصوات مبكرة.

إن ما يجري في فاس هو مساس بكرامة المواطن الذي يُحوّل إلى “مستفيد” من “صدقة” سياسية بدل أن يكون صاحب حق في الخدمات العمومية الدائمة والجيدة. على الجهات الرقابية والقضائية التدخل فوراً لوقف هذا النزيف المؤسساتي والأخلاقي الذي يحوّل الأدوية والمستشفيات إلى أدوات دعاية انتخابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى