سياسة

“مدارس الريادة بين الطموح والانتقاد: تحرك المعارضة البرلمانية لمساءلة الحكومة” و الدفع بلجنة إستطلاعية

سارعت مكونات المعارضة بمجلس النواب إلى التحرك لتقييم مشروع “مدارس الريادة” الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية، في ظل تصاعد الانتقادات حول طريقة تنزيله وغياب تقييم علمي شامل لنتائجه.

وأفاد مصدر برلماني أن المبادرة لتشكيل مهمة استطلاعية برلمانية جرى تباحثها يوم الثلاثاء على هامش اجتماع لجنة التعليم والثقافة والاتصال بالغرفة الأولى، في خطوة تعكس قلق المعارضة من توظيف المشروع كحل سحري لمشاكل التعليم دون قاعدة علمية أو تقييم دقيق.

أُطلق المشروع في إطار استراتيجية وزارة التربية الوطنية لتعزيز جودة التعليم وضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق الهشة والنائية. ويعتمد المشروع على نموذج بيداغوجي يركز على دعم التلاميذ ومواكبتهم عبر برامج علاجية واستباقية، ويستهدف تطوير مهارات الريادة والقدرة على الابتكار لدى المتعلمين.

وخلال الموسم الدراسي الأخير، شملت المبادرة 626 مؤسسة تعليمية، مع خطط للتوسع لتشمل باقي المؤسسات التعليمية على الصعيد الوطني. ومع ذلك، أظهرت المعطيات وجود تفاوت كبير في درجة نجاح التطبيق بين الجهات، حيث سجلت بعض الجهات المتقدمة مستوى تنفيذ مرتفعًا، بينما عانت جهات أخرى من نقص الموارد وتأخر التجهيزات، ما أثر على النتائج الفعلية للمشروع.

خلال اجتماع لجنة التعليم والثقافة والاتصال، وجه نواب المعارضة انتقادات حادة للحكومة، معتبرين أن المشروع يُسوَّق كحل سحري لمشاكل التعليم، لكنه لم يُثبت بعد فعاليته على الأرض.

وقد أشار المصدر البرلماني إلى أن المعارضة تسعى من خلال المهمة الاستطلاعية إلى مساءلة الحكومة حول جدوى المشروع ومدى انسجامه مع توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين، خاصة في ما يتعلق بتحسين جودة التعليم ومساواة الفرص بين التلاميذ في مختلف الجهات.

البرلمانية عن الفريق الاشتراكي، خدوج السلاسي، تساءلت عن مدى تقييم المشروع علميًا قبل تعميمه، مؤكدة أن التجربة لا تزال غير مقيمة بشكل منهجي، وأن التحديات المادية والبيداغوجية للمؤسسات في المناطق النائية لم تؤخذ بعين الاعتبار بشكل كامل.

وفق الفصل 67 من الدستور، يمكن لرئيس اللجنة الدائمة أو ثلث أعضاء اللجنة على الأقل تقديم طلب لتشكيل مهمة استطلاعية. وفي هذه الحالة، قد تتيح المهمة البرلمانية تقييم المشروع على المستوى الوطني، مع تقديم توصيات عملية لتحسينه وضمان فعاليته.

ويرأس لجنة التعليم والثقافة والاتصال البرلماني عدي شجيري عن فريق التقدم والاشتراكية، وهي الجهة المسؤولة عن دراسة الطلب والموافقة عليه، كما أنها ستحدد مدى شمولية المهمة الاستطلاعية وآليات عملها لضمان تغطية جميع الجوانب المتعلقة بالمشروع، من التمويل والتجهيزات إلى النتائج التعليمية على التلاميذ.

رغم الطموح العالي لمشروع مدارس الريادة، تظهر تحديات كبيرة تتعلق بتنفيذه على أرض الواقع:

  • تفاوت مستوى الموارد المادية والبشرية بين المؤسسات التعليمية في المدن الكبرى والمناطق النائية

  • ضعف البنية التحتية في بعض المدارس، مثل الربط بالكهرباء وخدمة الإنترنت

  • نقص التأطير البيداغوجي المتخصص لمواكبة التلاميذ وفق المعايير الحديثة

  • غياب تقييم علمي شامل يقيّم نتائج المشروع على المدى القصير والطويل

هذه التحديات تجعل نجاح المشروع مشروطًا بتدخلات تصحيحية سريعة، لضمان أن يصبح أداة فعالة لإصلاح التعليم وليس مجرد حملة دعائية.

يتجاوز النقاش حول مدارس الريادة الجانب التقني إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية، إذ يمثل المشروع اختبارًا لقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات تعليمية حقيقية تواكب تطلعات الأسر والمجتمع المدني.

كما أن حجم الانتقادات البرلمانية يعكس حالة من الضغط الشعبي والسياسي على الحكومة، خاصة أن التعليم العمومي لا يزال يعاني من مشاكل مزمنة تشمل الهدر المدرسي، ضعف الموارد، وتفاوت الجودة بين المناطق.

وبالتالي، فإن نجاح المشروع لن يقاس فقط بعدد المدارس المستفيدة، بل بمدى قدرته على معالجة هذه الاختلالات وتحقيق تكافؤ الفرص للجميع.

مشروع مدارس الريادة يمثل خطوة طموحة نحو إصلاح المنظومة التعليمية في المغرب، لكنه يواجه تحديات كبيرة تتطلب متابعة دقيقة وتقييم علمي شامل.

المهمة الاستطلاعية التي تسعى المعارضة لتفعيلها ستكون أداة حاسمة لضمان:

  • شفافية الحكومة في تنفيذ المشروع

  • مراجعة السياسات التعليمية بما يخدم مصلحة التلاميذ

  • تعزيز الثقة بين المواطن والدولة في الإصلاحات التعليمية

يبقى التحدي الأساسي أن تتحول هذه المبادرة من حملة إعلانية إلى برنامج تعليمي فعلي قادر على تحسين التعلم وتكافؤ الفرص، ما يجعل العملية اختبارًا حقيقيًا لقدرة البرلمان والحكومة على العمل المشترك من أجل الإصلاح والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى