قضايا

من محاربة الغش إلى صناعة التوتر؟ أجهزة الكشف الإلكترونية في الامتحانات الجهوية تفتح نقاشاً واسعاً حول الأولويات التربوية وصفقات التجهيز

مع انطلاق الامتحانات الجهوية الموحدة بمختلف جهات المملكة، عادت قضية الغش في الامتحانات إلى واجهة النقاش العمومي، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة. فبدل أن يقتصر الجدل على ظاهرة الغش في حد ذاتها، تحول النقاش إلى طبيعة الوسائل المعتمدة لمحاربتها، بعد لجوء عدد من الأكاديميات والمديريات الإقليمية إلى تعزيز المراقبة باستعمال أجهزة وتقنيات إلكترونية للكشف عن الوسائل المستعملة في الغش.

ورغم أن الهدف المعلن من هذه الإجراءات يتمثل في حماية مصداقية الامتحانات وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين، إلا أن هذه التدابير أثارت موجة من الانتقادات داخل الأوساط التربوية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر عدد من المتابعين أن المقاربة المعتمدة أصبحت تركز بشكل مفرط على الجانب الزجري والتقني، على حساب البعد التربوي والنفسي الذي يفترض أن يواكب هذه المحطات الإشهادية.

وتحدث العديد من التلاميذ وأولياء الأمور عن حالة من الارتباك والتوتر صاحبت بعض عمليات التفتيش والمراقبة داخل مراكز الامتحان، معتبرين أن الحضور المكثف لأجهزة الكشف الإلكترونية والإجراءات المصاحبة لها خلق لدى بعض المترشحين شعوراً بالضغط النفسي أكثر من الإحساس بالطمأنينة والثقة.

ويرى مختصون في الشأن التربوي أن الامتحان الإشهادي يمثل في حد ذاته محطة ضاغطة بالنسبة للتلميذ، وأن أي إجراءات إضافية قد تتحول إلى عنصر تشويش يؤثر على التركيز والأداء الذهني، خاصة بالنسبة للفئات التي تعاني من القلق الامتحاني أو من هشاشة نفسية مرتبطة بالخوف من الفشل.

فالتلميذ، وهو يدخل قاعة الامتحان، يحتاج إلى مناخ يساعده على استحضار معارفه ومكتسباته الدراسية، لا إلى أجواء استثنائية قد تجعله يشعر وكأنه موضوع تحت شبهة دائمة أو داخل فضاء للمراقبة الأمنية المشددة.

ويعتبر عدد من الفاعلين التربويين أن محاربة الغش لا ينبغي أن تتحول إلى هاجس يطغى على جوهر العملية التعليمية. فالغش، في نظرهم، ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل هو انعكاس لاختلالات أعمق تتعلق بجودة التعلمات، وضعف التأطير التربوي، وضغط النتائج، وتراجع منظومة القيم داخل المجتمع.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الظاهرة تقتضي حلولاً تربوية وثقافية طويلة الأمد، تبدأ من ترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق منذ السنوات الأولى للتعليم، وتمر عبر تحسين جودة المدرسة العمومية وإعادة الاعتبار للجهد الشخصي والعمل الجاد.

أما الاقتصار على المقاربة التقنية، فقد يساهم في الحد من بعض مظاهر الغش، لكنه لا يعالج الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض التلاميذ إلى البحث عن وسائل غير مشروعة للحصول على النقط والشهادات.

وبالتوازي مع النقاش التربوي، بدأت تطرح تساؤلات متزايدة حول الكلفة المالية للتجهيزات الإلكترونية المعتمدة في مراقبة الامتحانات، وحول حجم الاعتمادات التي تم تخصيصها لهذا الغرض في عدد من المؤسسات التعليمية والأكاديميات.

ويرى متابعون للشأن العمومي أن من حق الرأي العام معرفة مدى نجاعة هذه التجهيزات مقارنة بكلفتها المالية، ومدى مساهمتها الفعلية في الحد من ظاهرة الغش، خاصة في ظل الإكراهات التي لا تزال تواجهها المدرسة العمومية على مستوى البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والدعم التربوي.

كما يطالب مهتمون بالشأن التعليمي بمزيد من الشفافية في تقييم نتائج هذه الإجراءات، وإخضاعها لمؤشرات موضوعية تقيس أثرها الحقيقي على نزاهة الامتحانات، بدل الاكتفاء بالرهان على البعد التقني وحده.

ويثير هذا الجدل مفارقة يراها كثيرون جديرة بالنقاش؛ ففي الوقت الذي يتم فيه تسخير وسائل تقنية متطورة لمحاربة الغش، لا تزال العديد من المؤسسات التعليمية تعاني من مشاكل مرتبطة بالاكتظاظ ونقص الفضاءات التربوية والتجهيزات الأساسية والدعم النفسي والاجتماعي للتلاميذ.

ويتساءل منتقدون: هل الأولوية اليوم هي مضاعفة وسائل المراقبة أم الاستثمار أكثر في تحسين جودة التعليم ورفع مستوى التحصيل الدراسي وتقوية الثقة بين التلميذ والمؤسسة التعليمية؟

ويؤكد هؤلاء أن النجاح الحقيقي لأي إصلاح تربوي لا يقاس بعدد أجهزة الكشف المستعملة داخل مراكز الامتحان، وإنما بمدى قدرة المدرسة على تكوين مواطن مقتنع بقيمة العمل والاجتهاد والاستحقاق.

لا أحد يجادل في ضرورة محاربة الغش وحماية مصداقية الشهادات الوطنية، لكن عدداً من الأصوات التربوية تدعو إلى اعتماد مقاربة متوازنة تجمع بين الصرامة المطلوبة في المراقبة وبين احترام الجوانب النفسية والتربوية للمترشحين.

فالامتحان ينبغي أن يظل لحظة لتقييم المكتسبات والكفاءات، لا مناسبة لإنتاج مزيد من القلق والتوتر. كما أن نجاح المنظومة التعليمية لا يرتبط فقط بإغلاق منافذ الغش، بل أيضاً بقدرتها على خلق بيئة مدرسية سليمة تجعل التلميذ مقتنعاً بأن النجاح الحقيقي يتحقق بالاجتهاد والمعرفة لا بالتحايل.

وبين مؤيد يرى في هذه الأجهزة ضرورة فرضتها الأساليب الحديثة للغش، ومنتقد يعتبر أنها حولت بعض مراكز الامتحان إلى فضاءات للتشويش والضغط النفسي، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة المنظومة التربوية على إيجاد التوازن المطلوب بين حماية نزاهة الامتحانات وصون حق التلاميذ في اجتياز اختباراتهم في أجواء هادئة وعادلة ومحفزة على النجاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى