الغلوسي من حماية المال العام إلى التشهير بالناس:هل هو انحراف خطير قاده إلى المحاكم

مرة أخرى يجد محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، نفسه في قلب عاصفة سياسية وقضائية، بعدما تحول من محامٍ يُفترض أنه يشتغل في ملفات الفساد المالي، إلى ناشط يهوى التشهير والاتهامات المجانية في حق البرلمانيين والمواطنين،و كأنه إنزلق عن رسالته الأصلية التي رفعها في بداياته وهي النبش في ملفات حارقة تهم المال العام و إستنزافه من طرف مسؤولين في مختلف المؤسسات العمومية.
الغلوسي، الذي لم يفلح حتى الآن في إقناع الرأي العام بأنه رجل قانون يزن كلماته بدقة، انزلق في خرجات متتالية نحو لغة لا تليق، واتهامات تطعن في أعراض الناس وتمس حياتهم الخاصة،و دخل في وصف المواطنين “بالكارديانات” و” الأميين” و غير ذلك من الكلام البديئ و الذي لا يستعمل في أبجديات و أخلاقيات الترافع على الوطن او المواطنين، و كأن المغاربة وهو نفسه خلقوا في ملعقة من ذهب، وهو سلوك بعيد كل البعد عن المسؤولية الحقوقية والقانونية. فبدل أن يركز على ملفات الفساد الكبرى، وملفات المال العام التي تحتاج إلى الحزم والجدية، اختار مساراً آخر أقرب إلى الدخول في المس بالحياة الخاصة بالأشخاص و التشهير بهم و بحايتهم و بمسارهم دون أن يملك اي دليل على ذلك ما عدا ما يسمعه من بعض الأفائين.
هذا الانزلاق لم يمر دون رد فعل. النائب البرلماني يونس بنسليمان قرر اللجوء إلى القضاء بعد اتهامات مباشرة طالته في ندوة صحفية بمراكش، وهو ما أدى إلى متابعة الغلوسي و تقديمه أمس أمام محكمة مراكش، وتحديد موعد جديد لمحاكمته يوم 31 أكتوبر المقبل. خطوة فتحت الباب واسعاً لنقاش وطني حول الدور الحقيقي للجمعيات التي ترفع شعار محاربة الفساد.
وفي خضم الجدل، تبرز تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، التي سبق أن لمح فيها إلى أن بعض الجمعيات انحرفت عن مسارها، لتتحول من مراقبة المال العام إلى مراقبة أعراض الناس. هذه المرة، يجد وهبي نفسه مدعوماً من شرائح واسعة من المواطنين الذين ضاقوا ذرعاً بخطاب التشهير والاتهام دون أدلة، وهو ما يعطي لكلامه شرعية سياسية وشعبية،و رفع مطالب مستعجلة لتفعيل القانون الجنائي الجديد.
الغلوسي اليوم مطالب بمراجعة منهجيته ولغته،لأنه أمس وجد بجانبه مواطنين شرفاء للتضامن معه ،و ربما غدا لن يجدهم إذا إستمر في تدوينات تنبش في أعراض الناس ، لأن مستوى النقاش الذي وصل إليه مؤخرا انحدر إلى الحضيض. فالشارع يريد ملفات مدعمة بالحجج والوثائق، لا تراشقاً و لا إتهامات مجانية بالكلمات الفضفاضة، ولا حملات تسفيه للأشخاص. وإذا كانت جمعيته قد خرجت عن السطر، فإن الرأي العام لن يقبل أن يتحول حائطه إلى أداة للمساس بسمعة الناس أو تصفية حسابات سياسية تحت غطاء “حماية المال العام”.
القضية إذن تتجاوز مجرد محاكمة شخص، إلى محاكمة منهج وخطاب. فإما أن يرتفع النقاش إلى مستوى معركة حقيقية ضد الفساد، وإما أن يظل مجرد صخب إعلامي يخدم أجندات غامضة لا علاقة لها بمصلحة المواطنين ولا بانتظاراتهم.






