ثقافة

فضيحة المقررات المتحجرة.. وزارة التربية تعلّم أبناء المغاربة جغرافيا 2007 في سنة 2025!

تواصل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة العبث بمستقبل أجيال كاملة، وهي تُدرّس مادة الجغرافيا بمقررات عفا عنها الزمن، تعود إلى سنة 2007 وما قبلها، وكأن الزمن توقف، وكأن المغرب لم يعرف تحولات ديموغرافية، بيئية، اقتصادية واجتماعية هائلة على مدار عقدين. فكيف يُعقل أن نُلقن تلميذًا في 2025 أرقامًا وإحصائيات تعود لمرحلة ما قبل الهواتف الذكية، ونجعل من هذه المعطيات البالية “معرفة” ملزمة في الامتحانات؟

من يفتح كتب السنة الأولى من سلك الباكالوريا يجد نفسه أمام أرقام مأخوذة من إحصاء 2004، ومن تقرير أممي حول التنمية البشرية يعود لتلك السنة، بل هناك إحصائيات ديموغرافية متقادمة عن الولادات والوفيات والخصوبة لسنة 2011، وأخرى عن مستوى التنمية البشرية بين 1980 و2012. كل هذا بينما المغرب أجرى إحصاءين عامين للسكان والسكنى (2014 و2024)، وتصدر مؤسساته الوطنية والدولية تقارير سنوية دقيقة وراهنية.

أما الفضيحة الكبرى فتتجلى في الخرائط والمعطيات المتعلقة بالموارد الطبيعية، إذ ما تزال المقررات تستند إلى بيانات حول الفرشة المائية ما بين 1963 و2007، وتعرض خريطة للموارد السطحية لسنة 2013، في وقت يعيش فيه المغرب حالة طوارئ مائية تتطلب معطيات دقيقة ومحيّنة يومًا بيوم.

أزمة ثقة في المدرسة العمومية

هذا الانفصام بين واقع البلاد والمضامين الدراسية جعل التلميذ المغربي يُدرك أن ما يدرّس له لا قيمة له خارج أسوار المدرسة، وأن الهدف الوحيد هو اجتياز الامتحان ثم تمزيق المقرر في مشهد جماعي يتكرر كل سنة. إنه انهيار لجاذبية المدرسة العمومية، وتكريس لثقافة اللامبالاة، واعتراف ضمني بأن المدرسة لم تعد قادرة على إنتاج المعرفة المواكبة للتحولات.

بدل أن تُحدث الوزارة ثورة في محتويات المناهج، نجدها تركض خلف “مشاريع تجميلية” لا تمس صلب الأزمة: بلاغات عن إصلاح، محاولات تجريب بيداغوجية، وخطابات حول الرقمنة، بينما الجوهر بقي راكدًا: كتب مدرسية متحجرة تُعيد إنتاج مغرب 2007 داخل فصول 2025.

الحل ليس في ترقيع الكتب أو إعادة طبعها بتعديلات طفيفة، بل في التخلي عن “المقرر الجامد” والانتقال إلى مقرر مرن قائم على وحدات ومحاور كبرى، تُغذى كل سنة بالمعطيات الجديدة من المؤسسات الرسمية: المندوبية السامية للتخطيط، بنك المغرب، المرصد الوطني للتنمية البشرية، مديرية الأرصاد الجوية، والتقارير الأممية والدولية. فهكذا فقط يمكن للتلميذ أن يتعلم جغرافيا حية مرتبطة بواقعه وبتحديات بلده.

كل موسم دراسي، تواصل الوزارة هروبها إلى الأمام، تبحث عن الجاذبية خارج أسوار المدرسة، بينما الحقيقة واضحة: لا إصلاح ولا جودة ولا جاذبية دون ثورة معرفية في المقررات، وإلا سنبقى نُعلّم أبناءنا مغربًا من الماضي، بينما يواجهون حاضرًا معقدًا ومستقبلًا مجهولًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى