هل باتت الجزائر تحت مجهر واشنطن؟ بين تقاربها مع إيران والتحذيرات الأمريكية لرعاياها

أثار إعلان سفارة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الجزائر دعوة مواطنيها المقيمين إلى التسجيل الفوري في برنامج “المسافر الذكي” (STEP) موجة من التساؤلات حول خلفيات الخطوة وتوقيتها، خاصة أنها جاءت في سياق تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران، وتزايد التحذيرات الأمنية في عدد من مناطق الشرق الأوسط.
البيان الصادر عن السفارة أوضح أن الهدف من التسجيل في البرنامج هو تمكين البعثة الدبلوماسية من التواصل السريع مع الرعايا الأمريكيين في حالات الطوارئ، سواء تعلق الأمر باضطرابات مدنية أو مستجدات أمنية أو كوارث طبيعية. غير أن تزامن هذه الدعوة مع أجواء التوتر الإقليمي أعاد إلى الواجهة النقاش حول موقع الجزائر في معادلات الصراع الدائر.
تقارب جزائري – إيراني تحت المجهر
خلال السنوات الأخيرة، عززت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع إيران، في سياق سياسة خارجية تسعى إلى تنويع الشركاء وتأكيد هامش استقلالية القرار السيادي. هذا التقارب شمل تبادل زيارات رسمية وتنسيقاً في بعض القضايا الدولية، إضافة إلى مواقف متقاربة في ملفات إقليمية.
ويرى مراقبون أن هذا التقارب، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، قد يضع الجزائر في موقع حساس، خاصة إذا ما اعتبرت الإدارة الأمريكية أن بعض مواقفها تميل سياسياً نحو محور مناوئ للمصالح الغربية.
هل الجزائر عبء على استقرار شمال إفريقيا؟
يذهب بعض المحللين إلى أن السياسة الإقليمية الجزائرية، سواء في منطقة الساحل أو في ملفات الجوار، باتت محل نقاش متزايد داخل دوائر القرار الغربي. فالجزائر لاعب أساسي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وتملك حدوداً ممتدة مع دول تعرف هشاشة أمنية، ما يجعل أي توتر محتمل ذا أبعاد إقليمية.
غير أن الحديث عن احتمال توجيه ضربات أمريكية مباشرة يظل، في الوقت الراهن، في إطار السيناريوهات النظرية أكثر منه مؤشرات واقعية قائمة، إذ لا توجد معطيات رسمية تؤكد وجود مواجهة عسكرية بين البلدين أو استهداف مباشر لمصالح أمريكية انطلاقاً من الأراضي الجزائرية.
برنامج “STEP”: إجراء احترازي أم رسالة سياسية؟
برنامج “STEP” (Smart Traveler Enrollment Program) هو آلية تعتمدها وزارة الخارجية الأمريكية لتسجيل مواطنيها المقيمين أو المسافرين في الخارج، ويُفعل عادة في فترات التوتر أو عدم الاستقرار. وتفعيل الدعوة للتسجيل لا يعني بالضرورة وجود تهديد وشيك، بل يندرج غالباً ضمن إجراءات احترازية معيارية.
مع ذلك، فإن توقيت الإعلان في سياق حرب مفتوحة بين واشنطن وطهران يضفي عليه بعداً سياسياً، خاصة في ظل حساسية الاصطفافات الإقليمية، وتزايد الحديث عن إعادة رسم خرائط النفوذ في شمال إفريقيا.
بين التحليل والواقع
رغم التصعيد الكلامي والتحليلات المتشائمة، تبقى العلاقات الجزائرية–الأمريكية محكومة بتوازنات استراتيجية تشمل التعاون في مجالات الطاقة ومكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني في الساحل. كما أن أي مواجهة عسكرية مباشرة ستكون لها كلفة سياسية وأمنية مرتفعة على المنطقة بأسرها.
وعليه، فإن السؤال حول ما إذا كانت الجزائر قد أصبحت “هدفاً” لواشنطن يظل مفتوحاً على عدة احتمالات، لكنه حتى الآن لا يستند إلى مؤشرات عملية تؤكد انتقال التوتر من مستوى التحفظات السياسية إلى مستوى المواجهة العسكرية.
في خضم هذا المشهد المتحرك، يبدو أن المنطقة برمتها تعيش على وقع إعادة تموضع استراتيجي، حيث تختبر الدول هامش استقلالية قراراتها في ظل صراعات دولية متصاعدة، فيما تبقى الحسابات الواقعية للمصالح هي الفيصل في تحديد مسارات التصعيد أو التهدئة.






