اقتصاد

مجلس المنافسة.. تقارير بالجملة وأسواق تحت رحمة الاحتكار!

كشف التقرير السنوي لمجلس المنافسة برسم سنة 2024 حصيلة ضخمة من الأرقام والقرارات: 174 قرارًا ورأيًا في عام واحد، منها 93 في المائة مرتبطة بمراقبة عمليات التركيز الاقتصادي. على الورق يبدو الأمر إنجازًا مؤسساتيًا يعكس دينامية المجلس، لكن عند التمحيص يتضح أن المواطن البسيط لم يلمس أي تغيير ملموس في الأسعار أو في بنية الأسواق المحتكرة التي تخنق القدرة الشرائية.

أصدر المجلس تسعة قرارات في ملفات نزاعية، وأجبر مركز النقديات والبنوك المتحكمة فيه على التخلي عن بعض صلاحياتها في سوق الأداء الإلكتروني، واعتبر ذلك “إصلاحًا تاريخيًا”. لكن هل تغيّرت حقيقة السوق؟ هل تراجعت هيمنة كبار الفاعلين؟ في الواقع، ما زال المواطن يؤدي ثمن خدمات إلكترونية مرتفعة، وما زالت المؤسسات الناشئة تجد صعوبة في الولوج.

المجلس أصدر أيضًا ثلاثة آراء استشارية: حول سوق الكهرباء، وسوق الخضر والفواكه، وسوق الأعلاف المركبة. ومع ذلك، بقيت أسعار الخضر تحطم جيوب الأسر، والأعلاف ترفع كلفة اللحوم البيضاء والحمراء، فيما يواصل قطاع الكهرباء الاحتكار بعيدا عن أي تنافسية حقيقية.

في سابقة مثيرة، نفذ المجلس عملية زيارة وحجز مفاجئة بتنسيق مع النيابة العامة في أكتوبر 2024، في خطوة بدت للبعض ثورة في عمل المؤسسة. غير أن هذه “الجرأة” لم تُترجم إلى نتائج رادعة، إذ لم نسمع عن تغريم شركات كبرى أو تفكيك كارتيلات تسيطر على السوق لعقود.

تفاخر التقرير بعقد أزيد من 200 جلسة استماع وبتوجيه 400 طلب معلومات لمختلف الفاعلين الاقتصاديين. لكن الواقع يكشف أن المستهلك ما زال الحلقة الأضعف: أسعار مرتفعة، احتكار في قطاعات أساسية، غياب الشفافية في تكوين الأسعار، وغياب منافسة حقيقية تحمي الجيب المغربي.

الفصل 166 من الدستور منح مجلس المنافسة صلاحيات قوية لضبط السوق وحماية المستهلك. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحولت المؤسسة إلى مجرد ماكينة لتكديس القرارات والآراء دون أثر ملموس؟ المواطن يريد نتائج حقيقية، لا جداول إحصائية. يريد كسر الاحتكار في توزيع المحروقات، في الأبناك، في الاتصالات، في الأسواق الفلاحية.. يريد مجلسًا يردع وليس فقط يُسجل.

تقرير 2024 لمجلس المنافسة يفضح الهوة الكبيرة بين النص والواقع. نحن أمام مؤسسة دستورية تحاول إظهار نفسها كحارس للسوق، لكنها في النهاية تبدو عاجزة عن مواجهة “الديناصورات الاقتصادية” التي تحتكر الأسواق وتنهك القدرة الشرائية. ما لم يتحول المجلس إلى سلطة حقيقية قادرة على فرض الغرامات وتفكيك الكارتيلات، سيبقى مجرد ديكور دستوري يزين الواجهة، فيما يظل المستهلك المغربي وحيدًا في مواجهة جشع لوبيات لا ترحم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى