قمة “الخط الساحلي”: ترامب يستنفر خمس دول أفريقية لاحتواء التمدد الروسي عند حدود المحيط

في خطوة وُصفت بالمفاجئة والاستثنائية، يفتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غدًا أبواب البيت الأبيض لاستقبال رؤساء خمس دول أفريقية في أول قمة من نوعها منذ تسلمه مقاليد الحكم. دعوة مستعجلة لزعماء السنغال، موريتانيا، الغابون، غينيا بيساو وليبيريا، تؤشر على تحوّل حاد في توجهات الإدارة الأمريكية تجاه القارة، والتي لطالما عُرفت بموقعها الثانوي في أجندة ترامب.
وحسب بيان رسمي للبيت الأبيض، فإن القمة المقررة ليوم الأربعاء ستركز على “الفرص التجارية” وستتخللها مأدبة غداء رسمية، لكن خلف الأبواب المغلقة، تؤكد مصادر دبلوماسية ومتابعون أن هاجس الأمن القومي الأمريكي هو المحرك الأساسي لهذا اللقاء عالي المستوى.
قمة أمنية بثوب اقتصادي
ففي وقت قلّصت فيه واشنطن مساعداتها التنموية والعسكرية للقارة، وجمّدت برامج كبرى كمؤسسة تحدي الألفية التي كانت تضخ مليارات الدولارات في استثمارات أفريقية، يبرز توقيت القمة وكأنّها محاولة “إعادة تموضع تكتيكي” في ظل متغيرات دولية متسارعة، أهمها التصعيد الروسي في مناطق النفوذ التقليدية للغرب.
الباحث في الشأن الأفريقي، أحمد محمد المصطفى الندى، أكد أن اختيار هذه الدول الساحلية الخمس لم يكن عشوائيًا، موضحًا أن تموقعها الجغرافي المقابل للساحل الأمريكي عبر المحيط الأطلسي يجعل منها خطًا دفاعيًا أوليًا في الحسابات الأمنية لواشنطن.
وأضاف المصطفى الندى أن هذه الدول تلاصق أخرى تشهد حضورًا متزايدًا للنفوذ الروسي، ما يجعلها في عين العاصفة الجيوسياسية. “أي خلخلة أمنية على هذا الشريط الساحلي يمكن أن تمسّ بالأمن القومي الأمريكي بشكل مباشر”، يوضح الخبير.
التحذير من “المد الروسي”
تأتي هذه القمة كذلك بعد أيام فقط من توقيع اتفاق سلام في واشنطن بين الكونغو الديمقراطية ورواندا برعاية أمريكية، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها رغبة أمريكية في تثبيت موطئ قدم سياسي في منطقة البحيرات الكبرى التي لطالما كانت مرتعًا للصراعات المزمنة.
ويبدو أن ترامب يسعى إلى إعادة رسم خارطة النفوذ الأمريكي في أفريقيا انطلاقًا من الجيوب الاستراتيجية على الشاطئ الأطلسي، لتدارك ما يعتبره مراقبون “تأخرًا أمريكيًا” أمام زحف موسكو المتسارع، خاصة في بلدان الساحل الأفريقي.
رهان على “أمن الشاطئ الغربي”
ما بين إعلان الاهتمام بالفرص الاقتصادية، وتكثيف الاتصالات مع الأنظمة السياسية الساحلية، وما بين التراجع عن التمويل التنموي والحديث عن إعادة انتشار القوات، يظهر أن الولايات المتحدة بصدد اختبار صيغة جديدة للعلاقة مع أفريقيا، أكثر براغماتية وأقل التزامًا بالقيم الليبرالية التي روّجت لها واشنطن لعقود.
في قمة البيت الأبيض المرتقبة، ستكون الطاولة عامرة بالملفات، لكن المطبخ السياسي في واشنطن لا يبدو مهتمًا سوى بأمر واحد: ضمان بقاء الشاطئ الآخر من الأطلسي تحت المراقبة… وبعيدًا عن أيدي الروس.






