قضايا

قبل زوالها بأيام.. “لاراديف” تمرر صفقة حراسة بـ14 مليون درهم تثير التساؤلات؟؟

في مشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات آخر ساعة التي تسبق مغادرة الكراسي والمناصب، مررت الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بفاس (راديف) صفقة أثارت الكثير من الجدل والريبة، بلغت قيمتها أكثر من 13.9 مليون درهم، تتعلق بخدمات الحراسة، وذلك قبل أيام فقط من إنهاء مهام الوكالة وتحويلها إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات، وفق ما ينص عليه الإصلاح الهيكلي الجديد لقطاع التوزيع بالمغرب.

هذه الصفقة، التي حملت رقم الطلب 87/2025، وُقعت في وقت حساس، تطرح علامات استفهام حقيقية حول التوقيت، والمغزى، والمستفيد الفعلي، خاصة أن الوكالة في طريقها إلى الزوال القانوني، بعد سنوات من تدبير اتّسم بالارتجال، والعجز عن الاستجابة لانتظارات المواطنين، وتراكم الاختلالات في خدمات الماء والكهرباء.

الوثائق تكشف أن 23 شركة دخلت على خط الصفقة، تم إقصاء أربع منها لأسباب تقنية وإدارية، فيما تأهلت 19 شركة، قبل أن تقع المفاجأة: تطابق صارخ في العروض المالية بين أربع شركات، بلغت كلها 11,637,623.50 درهمًا قبل الضريبة، و13,965,148.20 بعد الضريبة، بنسبة زيادة شكلية بـ0.01%، ليقفز الرقم إلى 13,966,544.71 درهمًا، ما اضطر اللجنة إلى اللجوء للقرعة، لتفوز بها شركة “إن جي تي تي حراسة”، بعد إقصاء “إم كي جارد”.

لكن الأدهى أن هذا التطابق المالي لا يعكس أي اختلاف في الجودة أو النطاق أو الإمكانيات، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات التنسيق المسبق أو التفاهمات غير المعلنة، في استغلال واضح لمرحلة انتقالية تعرف فيها المؤسسة حالة من الفراغ الإداري وضعف المراقبة، تمهيدًا لحلول الشركة الجهوية متعددة الخدمات مكانها.

صفقة حراسة بكلفة تقترب من 14 مليون درهم، من دون أي مكونات لوجستية أو تقنية، وفي قطاع خدماتي بسيط، تشي بأن هناك من كان يسابق الزمن داخل “لاراديف” لتفويت المال العام تحت غطاء قانوني مغشوش، قبل رفع الراية البيضاء وتسليم المشعل للمؤسسات الجديدة.

اللجنة المشرفة، وكعادتها، سارعت إلى تبرير الصفقة بشعارات الشفافية واحترام المساطر، لكنها تجاهلت كليًا سؤال التوقيت، ولم تقدم أي تفسير عقلاني يُقنع الرأي العام بأن تفويت الملايين في آخر أيام الوكالة لا يحمل نوايا مبيتة أو صفقات مشبوهة.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، وحالة الغضب الشعبي من غلاء الفواتير وسوء الخدمات، يزداد الغبن حين يتبين أن الوكالة التي لم تُحسن تدبير الإنارة العمومية في بعض الأحياء، ولا معالجة شكاوى المواطنين، كانت سخية جدًا في تفويت الملايين باسم “حراسة” لمقرات سترحل أصلاً نحو تدبير جديد.

الشارع الفاسي محق في الغضب، والمطلوب اليوم ليس مجرد نشر بلاغ توضيحي، بل فتح تحقيق عاجل من طرف المجلس الأعلى للحسابات أو وزارة الداخلية حول هذه الصفقة، ومن صادق عليها، ولماذا تم تمريرها في هذا التوقيت المريب.

ففي دولة ترفع شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، لا يمكن أن تمر صفقة بهذا الحجم مرور الكرام، خصوصًا إذا ما تبين أن من هندسها، كان يعرف أنه يغادر المؤسسة إلى غير رجعة، وترك وراءه قنبلة مالية موقوتة قد تؤثر على ميزانية الشركة الجهوية الجديدة وهي في بداية مشوارها.

فهل نرى من يتحرك؟ أم أن قاعدة “عفا الله عما سلف” ما تزال تحكم تدبير المال العام في آخر الأنفاس؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى