قضايا

فاس في صلب التحرك الإداري.. لجان إقليمية لتدقيق مشاريع متعثرة ومواجهة اختلالات صفقات البنية التحتية

باشرت المصالح الإقليمية للإدارة الترابية، خصوصاً بجهة فاس–مكناس، تحركات ميدانية مكثفة بتوجيهات مستعجلة من الإدارة المركزية، من أجل احتواء تعثر عدد من المشاريع الكبرى التي توقفت أشغالها بشكل مفاجئ، بسبب انسحاب مقاولين تورطوا في ملفات معروضة على غرف جرائم الأموال بمحاكم الاستئناف، إلى جانب منتخبين ورؤساء جماعات متابعين في قضايا ذات صلة بتدبير المال العام.

وأفادت معطيات موثوقة أن هذا التحرك، الذي شمل أيضاً أقاليم وعمالات بجهات الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة، جاء في سياق تشديد الرقابة على أوراش استراتيجية رُصدت لها اعتمادات مالية ضخمة من ميزانيات مجالس الجهات ومن وزارتي الداخلية والتجهيز، بعدما كشفت تقارير إدارية محينة عن اختلالات وشبهات تلاعب في مساطر إبرام وتنفيذ صفقات عمومية.

وفي هذا الإطار، وجه عمال الأقاليم والعمالات، من ضمنهم عمال بجهة فاس–مكناس، تحذيرات صارمة لمنتخبين محليين من توظيف الحسابات السياسية والانتخابية الضيقة في تدبير مشاريع البنيات التحتية، مؤكدين أن المرحلة تفرض ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم التساهل مع أي استغلال للصفقات العمومية خارج الأهداف التنموية المرسومة.

وحسب المصادر ذاتها، فإن التقارير التي استندت إليها السلطات الإقليمية أشارت إلى وجود شراكات مشبوهة بين منتخبين ومقاولات ذات خلفيات حزبية، استُعملت، وفق المعطيات الأولية، في سياق حملات انتخابية غير معلنة، عبر توجيه مشاريع وفتح أوراش بانتقائية مجالية، ما أثار احتجاجات داخل مجالس منتخبة، خاصة من طرف فرق المعارضة.

وتتركز غالبية المشاريع المعنية بالتدقيق في مقاطع طرق وطنية ومسالك قروية، إضافة إلى مداخل ومخارج مدن كبرى، من بينها محاور طرقية ذات أهمية اقتصادية واجتماعية بجهة فاس–مكناس. كما تضمنت الشكايات المرفوعة إلى وزارة الداخلية معطيات حول شبهات تمويل حملات انتخابية من المال العام، عبر قروض بمليارات الدراهم من صندوق التجهيز الجماعي، وهو ما دفع إلى المطالبة بتشديد الرقابة على صرف اعتمادات التجهيز ومنع إقصاء مناطق بدوافع سياسية.

ووفق مصادر مطلعة، فقد أوصت التوجيهات الصادرة عن مصالح وزارة الداخلية بتشكيل لجان إقليمية مختلطة، أوكلت إليها مهمة التدقيق في ملفات صفقات عمومية فوتت لشركات بعينها، مع افتحاص وثائق التتبع ومحاضر التسليم المؤقتة والنهائية، ومقارنتها مع معطيات الأبحاث الإدارية، خاصة ما يتعلق بجودة المواد المستعملة في أوراش إصلاح وتوسيع الطرق.

ولا يقتصر عمل هذه اللجان على الطرق فقط، بل يشمل أيضاً مشاريع الإنارة العمومية، والتشجير، وتهيئة الفضاءات الخضراء داخل النفوذ الترابي لعشرات الجماعات، بما فيها جماعات حضرية وقروية بجهة فاس–مكناس.

وتشير المعطيات إلى أن اللجان الإقليمية، المرتقب أن تنهي أشغالها قبل شهر مارس المقبل، ستستند كذلك إلى ملاحظات وتقارير صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، خاصة تلك المرتبطة ببرامج التأهيل الحضري وتقليص الفوارق المجالية، مع التركيز على التحقق من شبهات التلاعب في تنطيق المشاريع وتحويل فضاءات خضراء ومرافق سوسيو-ثقافية ورياضية إلى مشاريع استثمارية لفائدة مستفيدين تجمعهم علاقات مصالح مع منتخبين.

كما سينصب جزء من التفتيش على تدقيق علاقات بعض المنتخبين بمقاولات ومكاتب دراسات تكررت أسماؤها لسنوات ضمن لوائح المستفيدين من صفقات البنية التحتية، حيث جرى تحديد هوية عدد كبير منها بناء على معطيات محينة وفرتها المديرية العامة للجماعات الترابية.

وأكدت المصادر نفسها أن عمليات الافتحاص ستشمل صفقات جارية وأخرى منتهية، إضافة إلى مشاريع موضوع نزاعات قضائية، مع التركيز على رصد خروقات محتملة تتعلق باستغلال صلاحيات تحديد أولويات الأشغال لتحقيق مكاسب انتخابية، عبر توجيه صفقات لفتح أو تعبيد طرق ثانوية لفائدة مستشارين وحلفاء سياسيين.

ويعكس هذا التحرك، الذي تحتل فيه فاس موقعاً محورياً، توجهاً رسمياً نحو تشديد المراقبة وحماية المال العام، ووضع حد لممارسات أضرت بصورة التدبير الترابي وبثقة المواطنين في المشاريع التنموية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى