فاس تختنق تحت المطر: فوضى الطرق تفضح فشل المجلس الجماعي وتستدعي تدخلًا حازمًا للسلطات

لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفتها مدينة فاس مجرد حالة جوية عابرة، بل تحولت إلى امتحان قاسٍ كشف، بلا رتوش، هشاشة البنية الطرقية وعجز التدبير المحلي عن مواكبة أبسط متطلبات مدينة عريقة يفترض أن تكون في صدارة الأولويات الحضرية. الأمطار الأخيرة كانت كافية لتحويل عدد من الشوارع والأزقة إلى برك مائية، وفضح واقع طرق مهترئة لم تعرف الإسفلت منذ أكثر من عقدين.
المشهد كان صادمًا في عدد من أحياء فاس، حيث تعطلت حركة السير، وظهرت حفر عميقة وتشققات خطيرة، وانعدمت قنوات تصريف مياه الأمطار أو بدت عاجزة عن أداء وظيفتها. أحياء كاملة غرقت في الفوضى، في وقت ظل فيه تدخل المجلس الجماعي غائبًا أو متأخرًا، وكأن معاناة الساكنة لا تدخل ضمن حساباته.
وإذا كانت بعض المحاور الطرقية الرئيسية قد استفادت من أشغال التهيئة في إطار برنامج تأهيل مدينة فاس، الذي أشرفت على تنزيله شركة فاس الجهة للتهيئة، فإن الواقع يؤكد أن هذا البرنامج ظل ناقصًا ومبتورًا، ولم يشمل شبكة الطرق الحضرية بشكل متوازن. مشاريع طرقية أُنجزت أو انطلقت، لكنها لم تُستكمل وفق رؤية شمولية، ما جعل المدينة تعيش بإيقاع “السرعتين”: شوارع مهيكلة جزئيًا، وأحياء تُركت لمصيرها، دون صيانة أو إعادة تأهيل.
الأخطر أن عددا كبيرا من طرق الأحياء، خصوصًا بالمناطق الشعبية والهامشية، لم ترَ الإسفلت لأكثر من عشرين سنة، ومع ذلك لا تزال خارج أي مخطط استعجالي للجماعة. طرق متآكلة، غياب التشوير، هشاشة البنية التحتية، وانعدام الصيانة الدورية، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي حول “تأهيل المدينة” و”تحسين جودة العيش”.
هذا الواقع يضع المجلس الجماعي لفاس والمنتخبين في قفص الاتهام، باعتبارهم المسؤولين المباشرين عن تدبير الشأن المحلي، وعن تتبع الصفقات، وبرمجة المشاريع، والدفاع عن حق الساكنة في بنية طرقية آمنة ولائقة. فشلٌ يتكرر مع كل موسم مطري، دون محاسبة، ودون جرأة سياسية للاعتراف بالاختلالات أو تصحيح المسار.
في المقابل، يبرز دور السلطات الإقليمية كفاعل حاسم في كبح هذا النزيف الحضري. فالتدخل الصارم للسلطات بات ضرورة ملحة، ليس فقط عبر تسريع وتيرة إنجاز المشاريع الطرقية المبرمجة، ولكن أيضًا عبر فرض احترام معايير الجودة، وتتبع الأشغال ميدانيًا،و إبعاد المنتبخون و المجلس الجماعي عن صفقات الإسفلت” الزفت” الذي يسيل لعابهم وترتيب المسؤوليات في حال ثبوت التقصير أو الإهمال.
كما أن وزارة الداخلية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتسريع وتيرة تنزيل ما تبقى من برنامج تأهيل شوارع فاس، وضمان استكمال المشاريع الطرقية الكبرى التي ظلت عالقة، بالتوازي مع إلزام الجماعة بتحمل مسؤوليتها الكاملة في إعادة تأهيل طرق الأحياء، بدل تركها رهينة الإقصاء والنسيان،و القطع مع توزيع ميزانية الجماعة في الأنشطة و السفريات و على الجمعيات الموالية،فالأوليات اليوم هي تأهيل المدينة و بنياتها التحتية و كذلك تأهيل مرافقها.
إن ما تعيشه فاس ليس قدرا طبيعيًا، بل نتيجة مباشرة لسوء الحكامة وغياب رؤية عادلة في توزيع المشاريع. مدينة بتاريخ فاس لا يليق بها أن تغرق مع أولى التساقطات، ولا أن يُترك سكانها يواجهون الخطر اليومي بسبب طرق مهترئة ومنتخبين غائبين.
أمام هذا الوضع، لم يعد مقبولًا الاستمرار في سياسة الترقيع والتبرير و رش “التوفنة” على الحفر. المطلوب اليوم هو تدخل قوي وحازم للسلطات، ومحاسبة حقيقية للمسؤولين، وتسريع فعلي لتأهيل البنية الطرقية، حتى تستعيد فاس حقها في مدينة آمنة، متوازنة، تحترم كرامة ساكنتها، بدل أن تتحول كل شتاء إلى عنوان صارخ للفشل المحلي.






