دي ميستورا يستعد لجولة جديدة بين الرباط والجزائر وتندوف.. الحراك الأممي يدخل مرحلة حاسمة وسط تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي

تتجه الأنظار مجدداً إلى ملف الصحراء المغربية مع اقتراب انطلاق جولة جديدة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، تشمل المغرب والجزائر وموريتانيا ومخيمات تندوف، في إطار مساعٍ أممية متواصلة لإعادة بعث العملية السياسية والدفع نحو تسوية نهائية للنزاع الإقليمي الذي عمر لعقود.
وتأتي هذه الجولة في سياق دبلوماسي يتسم بحركية متزايدة على المستوى الدولي، خاصة بعد سلسلة من المشاورات واللقاءات التي شهدتها عواصم مؤثرة خلال الأشهر الأخيرة، والتي عكست وجود إرادة متنامية داخل عدد من الدوائر الدولية لإخراج الملف من حالة الجمود التي طبعته لسنوات طويلة، والانتقال نحو مرحلة أكثر عملية وواقعية في التعاطي مع مقترحات التسوية المطروحة.
ووفق المعطيات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية، فإن تحركات المبعوث الأممي المرتقبة ستتمحور حول تقييم مواقف مختلف الأطراف المعنية واستطلاع آفاق استئناف المحادثات السياسية وفق المرجعيات التي حددها مجلس الأمن الدولي، وفي مقدمتها القرارات الأممية الأخيرة التي كرست بشكل متواصل أولوية الحل السياسي الواقعي والعملي والدائم والقائم على التوافق.
وتكتسي هذه الجولة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات العميقة التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها اتساع دائرة الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي باتت تحظى بمساندة عدد متزايد من القوى الدولية المؤثرة، باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي في إطار السيادة الوطنية للمملكة المغربية.
ويرى متابعون أن المرحلة الحالية تختلف عن سابقاتها، ليس فقط بسبب التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، ولكن أيضاً بفعل تنامي القناعة داخل العديد من العواصم الدولية بأن استمرار الوضع الراهن لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي ولا جهود التنمية والاندماج الاقتصادي في منطقة شمال إفريقيا.
وفي هذا السياق، تتحدث تقارير دبلوماسية عن اهتمام أمريكي متزايد بضرورة تحقيق تقدم ملموس في الملف، من خلال الانتقال من مرحلة دعم الحلول السياسية إلى البحث عن آليات عملية تسمح بترجمة الدينامية الحالية إلى خطوات واقعية على الأرض، في انسجام مع القرارات الأممية ومع التطورات التي عرفها الموقف الدولي خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه التحركات أيضاً بعد فترة شهدت توترات ميدانية أعادت الملف إلى واجهة الاهتمام الدولي، خاصة عقب الأحداث التي عرفتها مدينة السمارة، والتي أثارت ردود فعل دولية واسعة ودعوات متجددة إلى ضرورة الحفاظ على الاستقرار وتجنب أي تصعيد من شأنه التأثير على جهود التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
كما تعكس الجولة المرتقبة رغبة أممية في الحفاظ على الزخم السياسي الذي أفرزته المناقشات الأخيرة داخل مجلس الأمن، حيث برزت خلال الأشهر الماضية مؤشرات متزايدة على وجود توجه دولي نحو تعزيز المقاربة الواقعية والبراغماتية في معالجة هذا النزاع، بعيداً عن الطروحات التي أثبتت التجربة صعوبة تنزيلها أو تحقيق توافق دولي بشأنها.
ومن المنتظر أن تشمل لقاءات دي ميستورا مسؤولين حكوميين ودبلوماسيين وممثلين عن الأطراف المعنية، في محاولة لاستكشاف إمكانيات إطلاق جولة جديدة من المحادثات السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، مع التركيز على سبل بناء الثقة وتهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار.
ويرى عدد من المراقبين أن نجاح هذه الجولة سيبقى رهيناً بمدى استعداد مختلف الأطراف للانخراط في مقاربة سياسية واقعية تستجيب للتحولات التي يعرفها الملف على المستوى الدولي، خاصة في ظل التراكم الدبلوماسي الذي حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة، وما رافقه من اعترافات ومواقف داعمة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع.
وبين الجهود الأممية المتواصلة والدعم الدولي المتنامي للمقاربة المغربية، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ملامح المرحلة الجديدة من هذا الملف، وسط ترقب واسع لما ستسفر عنه جولة دي ميستورا المرتقبة، وما إذا كانت ستشكل خطوة إضافية نحو تقريب وجهات النظر والدفع بالمسار السياسي نحو أفق أكثر وضوحاً واستقراراً.






