حكومة أخنوش بين العطلة والانتفاض الشعبي: هل ستنهار الولاية قبل نهايتها؟

بعد عطلة صيفية استمرت لأسابيع، تستعد حكومة عزيز أخنوش لاجتماعها الأول الخميس المقبل، وسط مشهد سياسي محمّل بالتحديات والانتقادات. عودة الحكومة ليست مجرد استئناف روتيني، بل اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة ملفات طال انتظارها، في وقت يترقب فيه الرأي العام والمعارضة كل خطوة، بعد سنوات من البطء النسبي في الإصلاح والتأخر في معالجة القضايا الداخلية.
على الرغم من البريق الدبلوماسي الذي يحاول المسؤولون إظهاره، سواء في المؤتمرات الخارجية أو اتفاقيات التعاون الإقليمي، إلا أن المواطن المغربي يعيش على وقع أزمات يومية متراكمة: التعليم العالي منهك، المستشفيات العمومية عاجزة، القدرة الشرائية تتآكل بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، والفقر المجالي مستمر في الجهات الداخلية والقروية. الحكومة تبدو أكثر اهتمامًا بالصور الخارجية من الفعل الداخلي، ما يجعلها عرضة للنقد المكثف مع اقتراب نهاية الولاية.
أبرز الملفات على طاولة المجلس الحكومي تشمل مشروع قانون التعليم العالي والبحث العلمي، الذي يُفترض أن يكون نقطة الانطلاق لإصلاح شامل للجامعات، وتحسين جودة التكوين والبحث، وإدماج اللغة العربية في التخصصات العلمية بعد عقود من الهيمنة شبه الكاملة للغة الفرنسية. لكن الواقع يشير إلى أن هذه المبادرات قد تبقى شعارات بلا أثر فعلي، في ظل جامعات تعاني من ضعف الحكامة، نقص التحفيز للأساتذة، وتراجع ملحوظ في مردودية البحث العلمي، مع ارتفاع معدلات التسرب الطلابي وضعف التنافسية الدولية للجامعات المغربية.
على الجانب المالي، يناقش المجلس تعديل رسم التضامن ضد الكوارث الطبيعية، بهدف تعزيز فعالية صندوق التمويل المخصص للتدخل في أوقات الأزمات، إلا أن التجارب السابقة كشفت عن بطء الاستجابة وضعف التنسيق، ما يجعل المواطنين يشكون في قدرة الحكومة على حماية الفئات المتضررة.
في ملف التعليم العالي أيضًا، ستناقش الحكومة تحديد مقادير التعويضات للساعات الإضافية للأساتذة، وهي قضية كانت مصدر شكوى متكررة على مدى سنوات، ما يوضح غياب استراتيجية فعالة لتحفيز القطاع الأكاديمي وضمان استمرارية الأنشطة العلمية.
الجانب الدبلوماسي يتبلور في اتفاقية استضافة المغرب للمقر الدائم للمنظمة الإفريقية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، خطوة استراتيجية على الورق لتعزيز مكانة المغرب قاريًا، لكنها تثير تساؤلات حول أولويات الحكومة الداخلية، في ظل تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، والتي كان يمكن أن تستفيد من الانتباه الرسمي نفسه الذي يُنفق على المبادرات الخارجية.
الأزمة المناخية تضع الحكومة أمام امتحان صعب؛ موجات الجفاف، انخفاض مستوى السدود، وأزمة الماشية التي دفعت الملك لاتخاذ قرار استثنائي بعدم ذبح الأغنام في عيد الأضحى، كلها مؤشرات على هشاشة التدبير الاستراتيجي للموارد المائية والفلاحة، ما يجعل المواطنين يشكون في جدوى السياسات الحكومية الحالية.
أما القطاع الاقتصادي، رغم توقعات نمو 3,8٪ خلال 2025 و2026، فهو ما زال هشًا أمام الدين العمومي وغياب تحول صناعي حقيقي، ما يجعل المغرب رهينة للاستثمارات الأجنبية، والحكومة مطالبة بإثبات قدرتها على تحويل الاقتصاد الوطني إلى قاعدة إنتاجية مستدامة.
الجانب الاجتماعي يطرح تحديات مضاعفة: التعليم يلتهم أكثر من 87 مليار درهم سنويًا دون تحقيق نتائج ملموسة، الصحة العامة تعمل بكفاءة لا تتجاوز 70٪، والبرامج الاجتماعية الكبرى، مثل توسيع التغطية الصحية وتعويضات الأسر، لم تكتمل بعد، ما يضع الحكومة أمام امتحان مباشر لمصداقيتها وفعاليتها.
التفاوتات المجالية والفساد يضيق الخناق على الحكومة، إذ لا تزال بعض الجهات الداخلية تعاني من تهميش بنيوي، بينما المغرب لم يتجاوز سقف 37 نقطة في مؤشر مدركات الفساد، ما يعكس استمرار غياب الشفافية وضعف كفاءة الصفقات العمومية، ويزيد من التحديات أمام استرجاع ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء.
مع دخول الحكومة سنتها الأخيرة، يصبح كل قرار اختبارًا سياسيًا وميدانيًا: هل ستنجح في إنهاء ملفاتها الثقيلة قبل انتهاء الولاية، أم ستسجل حكومتها كفترة ضاعت بين العطلة، الوعود، والتراكم المستمر للأزمات؟
عودة الحكومة من العطلة ليست مجرد حدث روتيني، بل انطلاق فعلي لسباق مع الزمن، حيث كل تأخر سيزيد من غضب الشارع ويقوّض أي محاولة لاستعادة الثقة المفقودة. في هذا السياق، تبدو السنة الأخيرة للحكومة على صفيح ساخن، بين الملفات الداخلية الملتهبة، التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والضغط المناخي، وسط رهانات حقيقية على قدرتها على اتخاذ قرارات جريئة، قبل أن تصبح مجرد صورة خارجية براقة بلا مضمون داخلي.






