تقرير الفايننشال تايمز يعيد رسم موازين القوى: دهاء الرباط يفرمل التهور الإسباني في المتوسط

في لحظة فارقة من تاريخ العلاقات بين ضفتي المتوسط، لم تكن أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد حدث عابر في سجلات الهجرة غير النظامية، بل جاءت لتزيح الستار عن واقع جيوسياسي جديد؛ واقع تتصدره دقة الحسابات المغربية في مقابل ارتباك الدبلوماسية الإسبانية، وتفوق “الند للند” على منطق التبعية التقليدي.
وفي تحليل عميق للمشهد، سلّطت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية الضوء على تفاصيل التحول الاستراتيجي في إدارة الأزمات بين البلدين، مشيرة إلى أن التفاوت الاقتصادي لصالح إسبانيا لم يعد حاسمًا في رسم قواعد اللعبة، بعدما نجح المغرب في استثمار موقعه الاستراتيجي وأوراقه السيادية بكفاءة عالية، فرضت على مدريد إعادة مراجعة مواقفها التفاوضية.
عقلانية القيادة المغربية.. إدارة الهدوء ودهاء الاستراتيجية
أظهرت التطورات المتلاحقة نمطًا متقدمًا من الحكم والرزانة في قيادة الملك محمد السادس للأزمة؛ حيث اعتمدت الرباط مبدأ الوضوح والحزم تجاه التجاوزات الإسبانية، دون الانجرار إلى الصدمات غير المحسوبة. ورغم حرص المملكة على التعاون الإقليمي ومبادئ حسن الجوار — كما تجلى لاحقًا في الملفات المشتركة لتنظيم “كأس العالم 2030” ودعم جهود الإغاثة في الكوارث الطبيعية — إلا أن القرار السياسي المغربي أثبت أن السيادة الوطنية خط أحمر لا يقبل المناورة.
وبحسب قراءة “فايننشال تايمز”، فإن الدهاء الدبلوماسي للرباط تجلى في قدرتها على ضبط إيقاع العلاقات الثنائية، وتوجيه رسائل صارمة وحازمة ومباشرة لمدريد كلما حادت عن قواعد الاحترام المتبادل، مما منح المغرب أفضلية واضحة في إدارة التوازنات المعقدة.
التهور الإسباني.. القراءة الخاطئة وتبعات سوء التقدير
في المقابل، كشفت إدارة حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز للأزمة عن محطات من التهور والارتباك السياسي. وكان الخطأ الجسيم الاستقبال الخفي لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية الدافع الأساسي لانكشاف ضعف التحليل الجيوسياسي لدى مدريد، التي افترضت إمكانية التغاضي عن المصالح المصيرية للمغرب دون التسبب في أزمة عميقة.
وقد أدى هذا السلوك المتسرع إلى تآكل الثقة، وأظهر الحكومة الإسبانية بمظهر من يتخبط بين البحث عن تهدئة متأخرة مع الرباط، ومحاولات الموازنة الضعيفة مع أطراف إقليمية أخرى كالجزائر. وأمام هذا الانسداد، لم تجد مدريد بدًا من الإذعان للواقع الجديد والاعتراف بالحكم الذاتي كحل جاد لمقترح الصحراء المغربية، في مراجعة صريحة لخطئها الاستراتيجي.
معادلة جديدة في غرب المتوسط
أكدت الأحداث المتتابعة أن ميزان القوى في المنطقة يمر بمرحلة إعادة تشكيل جذرية؛ حيث يفرض المغرب نفوذه الإقليمي من خلال الرؤية الاستراتيجية الناضجة وشبكة التحالفات الدولية المتينة. وفي الوقت الذي تواصل فيه مدريد محاولة التكيف مع المقتضيات السياسية الجديدة، تبقى أزمة سبتة محطة مفصلية أثبتت أن منطق الهيمنة القديم قد ولى، لحساب مرحلة عنوانها: عقلانية القوة المغربية وتراجع المناورات الإسبانية.
تفوق العقلانية السيادية على الفوضى والتهور الإسباني
تتجلى الصورة الفائقة لهذا التحول الجيوسياسي في الطريقة التي أديرت بها أزمة الهجرة؛ حيث أبان جلالة الملك محمد السادس عن دهاء استراتيجي وعقلانية رفيعة تحكمت في مفاصل الأحداث بدقة متناهية، موجّهًا الملف بأسلوب هادئ ومحسوب جعل من ورقة العبور رسالة سياسية بليغة أربكت مراكز القرار في مدريد وأعادت ترتيب قواعد اللعبة لصالح المغرب. وفي المقابل، غرق الجانب الإسباني في حالة من الفوضى والتهور السياسي، واكتفت حكومة سانشيز باستجابات عشوائية ومواقف متناقضة أظهرت عجزها عن استيعاب حجم المتغيرات، لتنتهي المحاولات الإسبانية بانتكاسة دبلوماسية واضحة وفشل ذريع أمام صمود وعقلانية الرؤية الملكية التي فرضت منطق الدولة القوية والمتبصرة.






