سياسة

تأجيل ‘الدورة الحارقة’ لمجلس عمالة فاس يثير علامات الاستفهام: هروب من المواجهة أم عثرة إدارية؟

في منعطف حاد يُنذر بعواقب وخيمة، اهتزت أروقة مجلس عمالة فاس على وقع قرار مفاجئ بتأجيل دورته الاستثنائية الى أجل غير مسمى ، التي كانت مقررة ليوم الأربعاء القادم. وبينما تذرعت مصادر المجلس بـ “عدم توصل الأعضاء بالاستدعاءات في الآجال القانونية”، فإن الحقيقة المرة التي تتسرب من بين السطور تكشف عن “بركان” من الغضب الشعبي يوشك على الانفجار، إزاء تسريبات تتحدث عن “صفقات دعم”  تُقدر بملايين الدراهم، يُزمع المجلس تمريرها لفائدة جمعيات رياضية نافذة، في خطوة استهجنتها فعاليات مدنية واعتبرتها “استنزافًا” للمال العام و”مكافأة” لـ “لوبيات” لها ارتباطات حزبية ضيقة.

“ريع رياضي” على حساب التنمية الحقيقية: حين يصبح الدعم العمومي “صك غفران” للمقربين!

فالدورة المؤجلة، التي كانت تحمل في طياتها ملفًا “ملغومًا” يتعلق بدعم جمعيات رياضية بعينها، تحولت إلى بؤرة توتر حقيقية تنذر بمواجهة حادة بين مكونات المجلس. فالأصوات تتعالى بغضب مشروع حول معايير “غير واضحة” التي يعتمدها المجلس في توزيع الدعم، حيث تستفيد جمعيات “محظوظة” ذات طبيعة ربحية واضحة، تفرض رسومًا باهظة على المستفيدين من خدماتها، من أموال دافعي الضرائب، في تناقض صارخ مع مبادئ الشفافية والعدالة التي تدعو إليها الدولة.

هذا التوجه “العبثي” في تدبير المال العام يفتح شهية الانتقادات على مصراعيها، خاصة في ظل الوضع المزري الذي تعيشه العديد من القطاعات الحيوية في المدينة وأحوازها. فبينما تتجرع جماعات قروية مثل أولاد الطيب و جماعة سيدي أحرازم و عين البيضا مرارة غياب النقل المدرسي، وتُجبر الأسر على تحمل أعباء مالية إضافية لضمان حق أبنائها في التعليم، يصر مجلس العمالة على ضخ ملايين الدراهم في حسابات جمعيات رياضية قد لا يكون لها أي أثر إيجابي على التنمية الشاملة للمدينة.

فبدلًا من توزيع ملايين الدعم على جمعيات قد لا يكون لها تأثير حقيقي على المشهد الرياضي المحلي، كان بإمكان مجلس العمالة تخصيص هذه الموارد لشراء حافلة حديثة ومجهزة لنقل الفرق الرياضية الممثلة للمدينة في مختلف المنافسات الوطنية، وهو ما سيساهم بشكل فعال في دعمها وتحفيزها. والأكثر إلحاحًا، كان على المجلس أن يولي اهتمامًا خاصًا لتقوية قطاع نقل التمدرس في العالم القروي المحيط بفاس، حيث يعاني العديد من التلاميذ من صعوبات جمة في الوصول إلى مدارسهم، وهو ما يؤثر سلبًا على حقهم في التعليم.

كما أن واقع البنية التحتية الرياضية في العديد من أحياء فاس يستدعي تدخلًا عاجلًا. فما زالت هناك ملاعب “ترابية” تنفث الغبار يلعب عليها أطفال وشباب الأحياء، محرومين من أبسط الظروف لممارسة رياضتهم المفضلة. وكان من الأولى إعادة تأهيل ملاعب عريقة مثل ملعب حي ليراك وحي الزهور وغيرهم، وبناء ملعب جديد وسط جماعة أولاد الطيب التي تشهد نموًا ديموغرافيًا متزايدًا. هذه المشاريع سيكون لها وقع إيجابي ومستدام على النسيج الاجتماعي والرياضي للمدينة.

“المحاسيب” في الصف الأول: حين يصبح الولاء السياسي جواز مرور إلى “جنة الدعم”!

تكشف التسريبات عن قائمة “مستفيدين محتملين” تثير أكثر من علامة استفهام، حيث تتصدرها جمعيات تربطها علاقات وطيدة بأحزاب نافذة في المجلس، وعلى رأسها جمعية الوداد الرياضي الفاسي، التي يقودها برلماني ينتمي لنفس حزب رئيس المجلس. هذا “التطابق الحزبي” الفاضح يُعرّي منطق “المحاباة” ويكشف كيف تُحوّل ميزانية المجلس إلى “صندوق أسود” لدعم “المنتخبين الموالين” و”تزكية” قواعدهم الانتخابية على حساب مشاريع تنموية حقيقية تخدم عموم المواطنين.

وتضم القائمة “المثيرة للجدل” أسماء أخرى تثير الاستغراب، كجمعية “ريان لكرة القدم” التي تستنزف جيوب الأسر برسومها الباهظة، وكيانات أخرى  متخصصة في السيطرة على نوادي المدينة تبدو أقرب إلى “واجهات” تفتقر إلى رؤية واضحة أو تأثير ملموس على أرض الواقع. وفي المقابل، تغيب عن القائمة فرق رياضية عريقة وجمعيات تعمل بصمت في الأحياء الشعبية، تقدم خدمات جليلة للشباب دون مقابل.

“صمام الأمان” أمام اختبار حقيقي: هل يتدخل الوالي الجامعي لوقف “نزيف” المال العام؟

أمام هذا المشهد “العبثي” الذي يهدد بتقويض الثقة في المؤسسات المنتخبة، يجد والي جهة فاس مكناس، معاذ الجامعي، نفسه أمام مسؤولية تاريخية جسيمة. فالرأي العام ينتظر منه موقفًا حازمًا يقطع مع هذا النهج “المُريب” في تدبير المال العام، ويُعلي من مبادئ الحكامة والشفافية والعدالة. لم يعد مقبولًا الصمت أو التغاضي عن هذه “التجاوزات” التي تُستنزف بها مقدرات المدينة.

المطلوب من الوالي اليوم ليس مجرد “تأشيرة” شكلية على قرارات المجلس، بل تدقيق عميق في جدوى وأحقية هذا الدعم “الانتقائي” و أن يفطن على تداخل السياسة في الرياضة لأن المغاربة سواسية أمام خيرات الوطن، ومساءلة المسؤولين عن المعايير التي تم اعتمادها في هذا التوزيع “غير العادل”. إن تفعيل سلطته القانونية والإدارية بات ضرورة ملحة لوقف هذا “النزيف” المزعوم للمال العام، وتوجيهه نحو الأولويات الحقيقية التي تخدم التنمية المستدامة للمدينة وتحقق العدالة المجالية، كدعم النقل المدرسي في المناطق القروية وتأهيل البنية التحتية الرياضية في الأحياء الشعبية وتجهيز المؤسسات الصحية التي تعاني نقصًا حادًا.

فالساكنة الفاسية تتطلع إلى تدخل حاسم يضع حدًا لهذا “العبث السياسي”، ويُعيد توجيه البوصلة نحو خدمة الصالح العام وتحقيق التنمية الشاملة والعادلة. إذا صمت الوالي  في هذا الملف الحساس قد يُفسر على أنه ضوء أخضر لاستمرار هذا النهج “المُثير للجدل”، وهو ما قد يُعمق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة ويُؤجج الاحتقان الاجتماعي في المدينة. الكرة الآن في ملعب “صمام الأمان”، والرهان كبير على قدرته على تحمل مسؤوليته التاريخية وفرض منطق القانون والمصلحة العامة فوق أي اعتبارات أخرى. فهل يتدخل الوالي الجامعي لإنقاذ فاس من براثن “صفقات الدعم” الملغومة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى