قضايا

بين خطاب الإصلاح وصرخة الاختناق: طفلة تازة تفضح أعطاب المنظومة الصحية

في الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مساء أمس، يترأس اجتماعاً لتقييم “المنظومة الصحية الجديدة” ويستعرض ما يُقدم على أنه إنجازات وإصلاحات كبرى، كانت مدينة تازة تعيش على وقع فاجعة صامتة، بطلتها طفلة صغيرة تصارع الاختناق في غياب دواء حيوي يُفترض أن يكون متوفراً في صيدليات الحراسة.

مشهدان متناقضان يلخصان بوضوح الفجوة الصارخة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني: حكومة تتحدث عن إصلاحات هيكلية، ومواطنون يواجهون أعطاباً يومية قد تكون قاتلة.

ليلة اختناق… ودواء مفقود

القصة بدأت حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً، حين تعرضت طفلة تعاني من مرض الربو لنوبة اختناق حادة. وضعٌ صحي دقيق يستدعي تدخلاً فورياً، حيث سارع الأب إلى البحث عن دواء “Sertide”، وهو من الأدوية الأساسية لمرضى ضيق التنفس.

غير أن الصدمة كانت قاسية. تنقل الأب بين صيدليتين للحراسة بكل من حي المسبح ودوار عياد، دون أن يعثر على الدواء. لحظات رعب عاشتها الأسرة، وطفلة تختنق أمام أعين والدها، في مشهد يختزل هشاشة منظومة يفترض أنها وُضعت لحماية حياة المواطنين في الحالات المستعجلة.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ما جدوى صيدليات الحراسة إذا كانت عاجزة عن توفير أبسط الأدوية الحيوية؟

إصلاح على الورق… وأعطاب في الميدان

هذه الحادثة ليست مجرد واقعة معزولة، بل هي مؤشر خطير على خلل عميق في تنزيل ما يسمى “إصلاح المنظومة الصحية”. فبينما تتحدث الحكومة عن تعميم التغطية الصحية وإعادة هيكلة القطاع، تكشف الوقائع اليومية عن غياب شروط أساسية، في مقدمتها توفر الأدوية وضمان الولوج السريع للعلاج.

إن إصلاح الصحة لا يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم البلاغات الرسمية، بل بمدى قدرة المواطن على الحصول على الدواء في لحظة الخطر. وفي حالة تازة، سقط هذا المعيار بشكل مدوٍّ.

صيدليات الحراسة… غياب المراقبة أم تهاون في الالتزام؟

الحادثة أعادت أيضاً إلى الواجهة إشكالية تدبير صيدليات الحراسة، التي يفترض أن تشتغل وفق دفاتر تحملات واضحة، تضمن توفير الأدوية الأساسية، خاصة المرتبطة بالأمراض المزمنة كالرّبو.

غير أن الواقع يكشف عن ضعف في المراقبة، وغياب للمحاسبة، ما يجعل بعض الصيدليات تشتغل بمنطق الحد الأدنى، دون اعتبار لحساسية الدور الذي تضطلع به. بل إن موقع إحدى الصيدليات داخل زنقة ضيقة زاد من تعقيد الوضع، في وقت كان فيه عنصر السرعة حاسماً لإنقاذ حياة طفلة.

وزير الصحة… حضور شكلي وغياب القرار

وسط هذا المشهد، يطرح بقوة سؤال المسؤولية السياسية، خاصة في ما يتعلق بدور وزير الصحة. فبدل أن يكون هذا الأخير فاعلاً مركزياً في قيادة الإصلاح واتخاذ القرارات الحاسمة، يظهر في نظر منتقدين كفاعل محدود التأثير، يتحرك داخل هامش ضيق، دون القدرة على فرض إجراءات صارمة تضمن نجاعة المنظومة.

هذا الانطباع يعزز فكرة أن تدبير القطاع الصحي لم يكن مستقلاً بما يكفي، بل ظل مرتبطاً بخيارات مركزية، ما أضعف سرعة التفاعل مع الأزمات اليومية التي يعيشها المواطنون.

بين الاجتماعات والواقع… من يحمي المواطن؟

المفارقة المؤلمة في هذه القضية، هي التزامن الصارخ بين اجتماع رسمي لتقييم المنظومة الصحية، وحادثة ميدانية تكشف أعطابها. فبينما تُناقش الأرقام والمؤشرات داخل القاعات المغلقة، يواجه المواطن البسيط واقعاً مختلفاً، حيث قد يتحول غياب دواء إلى تهديد مباشر للحياة.

وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل الإصلاحات المعلنة تلامس فعلاً احتياجات المواطنين، أم أنها تبقى حبيسة التقارير والعروض التقديمية؟

صرخة تازة… رسالة إلى صناع القرار

حادثة الطفلة المختنقة ليست مجرد خبر عابر، بل هي جرس إنذار قوي يدعو إلى إعادة النظر في أولويات الإصلاح الصحي. فحياة المواطنين لا تحتمل التأجيل، ولا يمكن رهنها بإكراهات التدبير أو اختلالات المراقبة.

المطلوب اليوم ليس فقط تشديد الرقابة على صيدليات الحراسة، بل مراجعة شاملة لمنظومة توفير الأدوية، وضمان توزيع عادل وفعال، خاصة في الفترات الليلية والحالات المستعجلة.

 حين يسقط الخطاب أمام اختبار الحياة

في النهاية، تكشف حادثة تازة حقيقة بسيطة لكنها قاسية: الإصلاح الحقيقي يُقاس في لحظات الأزمات، لا في الاجتماعات. وبينما كان رئيس الحكومة يعرض حصيلة منظومته الصحية، كانت طفلة تصارع الاختناق في غياب دواء، لتختزل المشهد كله في سؤال واحد:

أي معنى لإصلاح صحي لا يستطيع إنقاذ حياة طفل في لحظة حرجة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى