سياسة

اليوم الثالث من الحملة الانتخابية بفاس.. تحركات محتشمة وترقب سياسي قبل الدخول إلى الشوارع

دخلت الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، يومها الثالث بدائرتي فاس الجنوبية وفاس الشمالية، وسط تحركات ميدانية ما تزال محتشمة، في انتظار انتقال معظم الأحزاب من مرحلة ترتيب البيت الداخلي واستكمال الاتصالات إلى مرحلة التعبئة العلنية داخل الأحياء والشوارع.

وبحسب المعطيات المتداولة ميدانياً، شهدت مساء أمس بعض الاجتماعات المنزلية التي عقدها مرشحون مع عدد من الناخبين والفاعلين المحليين، في وقت اختار فيه آخرون الظهور عبر الحديث عن استقطابات جديدة من أحزاب سياسية أخرى، في محاولة لإبراز اتساع دائرة الدعم المحيطة بهم. كما تواصل أحزاب أخرى عقد اجتماعات متتالية واستقبال الناخبين بشكل متتابع، بينما فضّلت تنظيمات سياسية الالتزام بحملتها وفق إيقاع عادي، دون استعجال الظهور المكثف في الفضاء العام.

تنظيمات حزبية حاضرة.. وأخرى تبحث عن من يقود حملاتها

وتكشف الحركة الانتخابية خلال هذه المرحلة المبكرة عن تفاوت واضح في الجاهزية التنظيمية بين الأحزاب المتنافسة، إذ يبدو أن حزباً واحداً على الأقل يتوفر على قواعد وتنظيمات حزبية أكثر التزاماً به، وقادرة على مواصلة التحرك الميداني دون انتظار استقطاب أسماء أو شخصيات من خارج بنيته التنظيمية. وفي المقابل، تجد أحزاب أخرى نفسها مطالبة بالبحث عن من يقود الحملات الانتخابية في الأحياء، ويؤمّن التواصل مع الناخبين، ويملأ الفراغ التنظيمي الذي يظهر بوضوح مع انطلاق الاستحقاقات.

وفي هذا السياق، تتجه مجموعة من الأحزاب إلى كراء مقرات انتخابية، أو ما يعرف محلياً بـ«الدكاكين الانتخابية»، بمختلف أحياء المدينة، باعتبارها فضاءات لاستقبال الناخبين وعقد الاجتماعات وتنسيق التحركات اليومية. غير أن فتح هذه المقرات لا يعني بالضرورة امتلاك تنظيم حزبي قوي، إذ تبقى الفعالية الحقيقية مرتبطة بمدى قدرة كل حزب على تحويل المقر إلى خلية عمل مستمرة، وليس مجرد واجهة انتخابية موسمية.

خمسة أو ستة أحزاب في واجهة المنافسة.. والاقتراع وحده يحسم

ومن خلال قراءة أولية لحركة المرشحين وطبيعة الحضور الميداني، تبدو المنافسة على المقاعد البرلمانية الثمانية المخصصة لدائرتي فاس الجنوبية وفاس الشمالية محصورة، ميدانياً، بين خمسة أو ستة أحزاب، بالنظر إلى مستوى التعبئة والانتشار والقدرة على التواصل مع الكتلة الناخبة. غير أن هذا المعطى يظل مؤشراً سياسياً أولياً، ولا يمكن أن يتحول إلى نتيجة محسومة، لأن الحسم النهائي يبقى رهيناً بما ستسفر عنه عملية التصويت يوم الاقتراع.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن المشهد السياسي بفاس يبدو قريباً من الاستقرار النسبي من حيث موازين القوى المعروفة، مع بقاء بعض «الروتوشات» الأخيرة مفتوحة على احتمالات محدودة، خصوصاً في مسافة الصفر التي تفصل بين المرشحين المتنافسين على المقاعد. فالفارق بين الحضور التنظيمي والقدرة على التعبئة، وبين الصورة التي يحاول كل حزب تقديمها خلال الحملة، لن يُختبر بشكل نهائي إلا داخل مكاتب التصويت.

الثلاثاء أو الأربعاء.. موعد متوقع للانطلاق الفعلي في الشوارع

وتتجه معظم الأحزاب، وفق ما يتداول داخل الأوساط الانتخابية، إلى جعل يوم الثلاثاء أو الأربعاء موعداً للانطلاق الفعلي لحملاتها في الشوارع، بعد استكمال عدد من الترتيبات التنظيمية واللوجستيكية، وتحديد مسارات الجولات واللقاءات والتجمعات المحلية.

وإلى حدود اليوم الثالث، لم يعلن أي حزب بفاس عن تنظيم مهرجان خطابي كبير تحضره قيادات وطنية أو جهوية بارزة، وهو ما يعكس، إلى حد كبير، استمرار مرحلة جس النبض وتعبئة القواعد المحلية قبل الانتقال إلى المحطات الجماهيرية. كما أن غياب المهرجانات الكبرى لا يعني بالضرورة غياب المنافسة، بل قد يكون مؤشراً على اعتماد بعض الأحزاب على اللقاءات المحدودة والاتصال المباشر، أو على انتظار توقيت أكثر ملاءمة لإطلاق تحركاتها الواسعة.

العالم القروي والأحياء الشعبية.. رهان انتخابي مشترك

وتعول الأحزاب المتنافسة بفاس على الكتلة الناخبة بالعالم القروي، إلى جانب الأحياء الشعبية داخل المدينة، باعتبارهما مجالين انتخابيين حاسمين في بناء النتائج. فالعالم القروي يفرض على المرشحين تعبئة شبكات التواصل المحلية والامتداد إلى الدواوير والمناطق التابعة للدائرة، بينما تتطلب الأحياء الشعبية حضوراً يومياً وقدرة على الإنصات والتواصل المباشر مع الناخبين، بعيداً عن الاكتفاء بالمظاهر الانتخابية.

وفي هذا الإطار، تبدو الأيام المقبلة حاسمة بالنسبة للأحزاب التي لم تحسم بعد في قيادات حملاتها المحلية، إذ إن التأخر في بناء فرق ميدانية منسجمة قد ينعكس على قدرتها في الوصول إلى الناخبين، خصوصاً مع اقتراب موعد الاقتراع وضيق هامش التحرك المتاح أمام المرشحين.

41 مرشحاً يتنافسون على ثمانية مقاعد.. والمشاركة عنوان المرحلة

وتجري هذه المنافسة في ظل وجود 41 مرشحاً محلياً يتنافسون على المقاعد الثمانية المخصصة لدائرتي فاس الجنوبية وفاس الشمالية، وهو رقم يعكس اتساع دائرة التنافس السياسي، حتى وإن كانت القراءة الميدانية تشير إلى بروز عدد محدود من الأحزاب في واجهة السباق. ولذلك، فإن اختزال المشهد في أسماء أو تنظيمات بعينها يظل سابقاً لأوانه، ما دام كل مرشح يمتلك، من الناحية القانونية والسياسية، فرصة تقديم برنامجه واستقطاب أصوات الناخبين.

وفي المقابل، تواصل وزارة الداخلية الدفع باتجاه تشجيع المشاركة في الانتخابات ورفع نسبة التصويت، باعتبار أن نجاح الاستحقاق لا يقاس فقط بنتائج الأحزاب، وإنما أيضاً بحجم انخراط المواطنين في العملية الانتخابية. وتبقى هذه المسألة مسؤولية مشتركة بين الإدارة والأحزاب والمرشحين، الذين يفترض أن يوجهوا جهودهم نحو إقناع الناخبين بالمشاركة والتصويت، بدل الاكتفاء بتدبير الحملات من زاوية التنافس الداخلي أو البحث عن الاستقطابات.

وبينما تستعد الأحزاب للانتقال إلى مرحلة أكثر كثافة في الشوارع، يظل اليوم الثالث من الحملة الانتخابية بفاس أقرب إلى مرحلة ترتيب الأوراق وتثبيت المواقع، مع بروز مؤشرات أولية على تفاوت الجاهزية التنظيمية بين المتنافسين. أما النتيجة، ومهما بدت بعض ملامحها واضحة في القراءة الميدانية، فلن تكون قابلة للحسم إلا بعد إغلاق صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر، حين تتحول التحركات والوعود والاستقطابات إلى أصوات فعلية تحدد من سيحجز المقاعد البرلمانية الثمانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى