صحة

المجموعة الصحية الترابية بفاس-مكناس أمام اختبار صعب.. حوار مرتقب مع النقابات وسط ملفات عالقة وتوتر مهني متصاعد

دخلت المجموعة الصحية الترابية بجهة فاس-مكناس مرحلة جديدة من مسار تنزيلها المؤسساتي، غير أن الانتقال من البناء القانوني والتنظيمي إلى التدبير الفعلي يصطدم بعدد من الملفات المهنية والإدارية التي ما تزال مطروحة على طاولة الإدارة والشركاء الاجتماعيين، في وقت تتزايد فيه المطالب النقابية بضرورة تسوية الملفات العالقة وتوضيح عدد من جوانب المرحلة الانتقالية.

وفي أحدث تطورات هذا الملف، وجه المدير العام للمجموعة الصحية الترابية بجهة فاس-مكناس دعوة رسمية إلى النقابات القطاعية الناشطة بالجهة لعقد اجتماع تنسيقي صباح الخميس 24 شتنبر 2026، في خطوة تأتي بعد اللقاء التواصلي الذي جمع الإدارة بالشركاء الاجتماعيين يوم 11 شتنبر الجاري. وبحسب المراسلة، يروم الاجتماع تعزيز المقاربة التشاركية ومأسسة الحوار الاجتماعي، بينما أفادت مصادر نقابية بأن جدول الأعمال سيشمل عددا من الملفات العالقة والمشاكل المسجلة في بعض أقاليم الجهة.

ويأتي هذا الاجتماع في ظرف حساس بالنسبة إلى المجموعة الصحية الترابية، التي دخلت مرحلة التشغيل الفعلي منذ فاتح شتنبر 2026، بعدما انعقد أول مجلس إدارة لها بمدينة فاس في يونيو الماضي برئاسة رئيس الحكومة، في إطار تنزيل ورش إصلاح المنظومة الصحية وإرساء حكامة صحية جهوية جديدة.

من الإصلاح المؤسساتي إلى إكراهات التنزيل

ورغم أن الهدف المعلن من المجموعات الصحية الترابية يتمثل في توحيد وتنسيق العرض الصحي على المستوى الجهوي وتقريب القرار الصحي من حاجيات المواطنين، فإن الانتقال إلى هذا النموذج الجديد يفرض تغييرات واسعة على مستوى التنظيم والموارد البشرية والمسؤوليات والتدبير الإداري والمالي، وهو ما جعل المرحلة الانتقالية محط نقاش واسع داخل الأوساط الصحية والنقابية.

وفي جهة فاس-مكناس تحديدا، سبق للنقابات أن أثارت عددا من الملفات التي تعتبرها ذات أولوية، من بينها وضعية الموارد البشرية، والانتقالات، والتعويضات، والترقيات، والملفات الإدارية والمالية العالقة، إضافة إلى معايير التعيين في بعض مناصب المسؤولية.

وكانت النقابة الوطنية للصحة، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، قد أثارت في لقاء جمعها بمسؤولي المجموعة الصحية الترابية إشكالات مرتبطة بالتواصل وتدبير المرحلة الانتقالية، بينما طرحت النقابة الوطنية للصحة العمومية، التابعة للفيدرالية الديمقراطية للشغل، بدورها مطالب تتعلق بحماية الحقوق والمكتسبات المهنية والاجتماعية لمهنيي الصحة.

وتشمل المطالب التي تم التعبير عنها، وفق المعطيات النقابية المنشورة، التسوية العاجلة للوضعيات الإدارية والمالية، وتسريع معالجة ملفات الترقيات والمتخلفات المالية المرتبطة بالتعويضات، وتفعيل مقررات الانتقال، إلى جانب المطالبة بتعميم منحة المردودية وفق معايير موحدة وشفافة، واعتماد الوضوح والاستحقاق في التعيينات في مناصب المسؤولية.

ملف الموارد البشرية في قلب التوتر

ويبدو أن تدبير الموارد البشرية يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة الانتقال إلى المجموعة الصحية الترابية، خصوصا أن نجاح الهيكلة الجديدة يرتبط بشكل مباشر بقدرتها على ضمان توزيع متوازن للأطر الصحية بين مختلف المؤسسات والأقاليم.

وفي وقت سابق، انتقدت النقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة بجهة فاس-مكناس طريقة توزيع مناصب مباراة توظيف الممرضين وتقنيي الصحة لسنة 2026، معتبرة أن التوزيع لا يعكس، بحسب موقفها، الحاجيات التي حددتها المحاضر الإقليمية والجهوية، وطالبت بمراجعة العملية بما يراعي الخصاص المسجل بالمؤسسات الصحية.

كما برز ملف التعويضات والمستحقات المالية كأحد الملفات التي تثير قلقا داخل بعض فئات الشغيلة الصحية، إذ سبق أن طالبت النقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة بتسوية مستحقات مرتبطة بالحراسة والخدمات والمهام المنجزة، محذرة من أن استمرار الملفات العالقة قد يؤثر على أجواء الانطلاقة الجديدة.

احتجاجات سابقة ترفع منسوب الضغط

ولا يأتي الاجتماع المرتقب بين الإدارة والنقابات في فراغ، إذ شهدت الأشهر الماضية احتجاجات وبيانات نقابية بجهة فاس-مكناس حول ملفات تدبيرية ومهنية مختلفة.

ففي مكناس، أعلنت مكونات من التنسيق النقابي لقطاع الصحة خلال يوليوز الماضي عن برنامج احتجاجي تصاعدي على خلفية ما وصفته بإشكالات في تدبير المركز الاستشفائي الإقليمي محمد الخامس، وشمل البرنامج وقفات واعتصامات خلال الشهر نفسه.

كما شهدت المرحلة السابقة على التفعيل الفعلي للمجموعة تحركات نقابية مرتبطة بالتوظيف والانتقالات والموارد البشرية، وهو ما يكشف أن جزءا من الملفات التي كانت مطروحة قبل دخول الهيكلة الجديدة حيز التنفيذ انتقل إلى مرحلة عمل المجموعة الصحية الترابية نفسها.

وعلى المستوى الوطني، سجلت النقابات الصحية بدورها اعتراضات على طريقة تدبير الانتقال نحو المجموعات الصحية الترابية، وأثيرت قضايا مرتبطة بمسار التشاور والحوار الاجتماعي وبإرساء الهياكل الجديدة واستقرار المسؤوليات.

هل تتجه النقابات إلى التصعيد؟

في ظل استمرار عدد من الملفات دون تسوية نهائية، يبقى احتمال عودة الاحتجاجات مطروحا بقوة داخل القطاع، خصوصا إذا لم تفض الاجتماعات المقبلة إلى حلول عملية وقرارات واضحة بشأن الملفات التي تعتبرها النقابات مستعجلة.

وتحدثت مصادر نقابية وإعلامية عن استعدادات لبرامج احتجاجية وتصعيدية في حال استمرار ما تعتبره النقابات تأخرا في معالجة المطالب، غير أن طبيعة هذه التحركات وتوقيتها تبقى مرتبطة بقرارات الهيئات النقابية نفسها وبنتائج الحوار مع إدارة المجموعة.

وفي المقابل، فإن دعوة الإدارة إلى اجتماع جديد مع النقابات تشكل مؤشرا على استمرار قنوات الحوار، خصوصا أن المراسلة الرسمية حددت صراحة المقاربة التشاركية ومأسسة الحوار الاجتماعي كإطار لهذا اللقاء. ومن شأن الاجتماع المرتقب أن يشكل محطة لاختبار قدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة عرض المطالب وتسجيل الاختلالات إلى مرحلة الاتفاق على حلول وآجال عملية.

رهان على إنجاح التحول الجديد

وتراهن الدولة على المجموعات الصحية الترابية باعتبارها أحد المكونات الأساسية لإعادة تنظيم المنظومة الصحية، عبر الانتقال من التدبير المركزي إلى حكامة صحية جهوية أكثر تكاملا، مع ربط التخطيط الصحي بالحاجيات الفعلية لكل جهة.

وكانت الحكومة قد أكدت عند إطلاق المجموعة الصحية الترابية بفاس-مكناس أن النموذج الجديد يستهدف تعزيز التنسيق بين المؤسسات الصحية وتحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطنين، بينما دخلت المجموعة رسميا مرحلة العمل الفعلي في فاتح شتنبر الجاري.

غير أن نجاح هذا الورش لن يرتبط فقط بإحداث الهياكل الجديدة وتعيين المسؤولين، وإنما سيكون مرتبطا أيضا بمدى قدرة الإدارة على معالجة الملفات المهنية والاجتماعية، وضمان انتقال واضح ومستقر بالنسبة إلى آلاف العاملين في القطاع.

ومن هنا تكتسي محطة 24 شتنبر أهمية خاصة، باعتبارها فرصة جديدة للحوار بين إدارة المجموعة الصحية الترابية والنقابات بجهة فاس-مكناس، في وقت أصبحت فيه الملفات العالقة جزءا أساسيا من اختبار الانطلاقة الفعلية لهذا النموذج الجديد.

فإذا نجحت المفاوضات في بلورة حلول واضحة وجدولة زمنية لمعالجة المطالب، فقد تساهم في تهدئة التوتر المهني وتوفير ظروف أكثر استقرارا لاستمرار تنزيل الإصلاح. أما استمرار الملفات دون أجوبة عملية، فقد يدفع بعض الهيئات النقابية إلى إعادة تفعيل برامجها الاحتجاجية، وهو ما يجعل الحوار المرتقب محطة مهمة في تحديد مسار العلاقة بين إدارة المجموعة الصحية الترابية وشركائها الاجتماعيين خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى