صحة

من فاجعة إبن أحمد إلى مأساة مكناس.. هل يستفيق قطاع الصحة النفسية من غيبوبته؟

الرباط: فاس24

في ظل تزايد الحوادث المرتبطة بالاضطرابات النفسية، والتي كان آخرها ما وقع في ابن أحمد ومكناس، حيث أجهز شاب على والده ذبحًا، عاد موضوع الصحة النفسية إلى واجهة النقاش البرلماني وسط تساؤلات حارقة حول غياب البدائل الكفيلة بحماية المرضى وذويهم بعد إغلاق “بويا عمر”، دون خطة انتقالية واضحة.

ودق مستشارون برلمانيون ناقوس الخطر بشأن تفاقم هشاشة المنظومة النفسية بالمملكة، محذرين من أن الوضع قد يتحول إلى “قنبلة اجتماعية موقوتة” إذا لم تتم معالجته بنجاعة، في وقت ما زالت فيه العديد من الأسر تُصارع وحدها آثار أمراض نفسية معقدة، في ظل غياب مراكز مختصة، وتأخر في التدخل، وندرة في الأطر الطبية المؤهلة.

في هذا السياق، كشف وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، عن توجه وزارته إلى بلورة برنامج وطني شامل للصحة النفسية والعقلية، من المنتظر أن تُعقد بشأنه اجتماعات تقنية الأسبوع المقبل، بهدف رسم معالم استراتيجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار البُعد الاجتماعي والمؤسساتي لهذا الملف الحساس.

وبلغة الأرقام، أقر الوزير بوجود خصاص مهول في الموارد البشرية المتخصصة، إذ لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في القطاع العام 319 طبيبًا فقط، مقابل 294 في القطاع الخاص، إلى جانب 62 طبيبًا مختصًا في طب نفس الأطفال، و17 ألف ممرض في مجال الصحة العقلية، وهي أرقام تبقى بعيدة عن الاستجابة لحجم الطلب الوطني.

وبغرض تقليص الفجوة، أطلقت الوزارة عملية تدريجية لدعم القطاع، من خلال تخصيص 123 منصبًا ماليًا جديدًا، منها 34 لفائدة أطباء الطب النفسي سنة 2025، و89 لفائدة ممرضي الصحة العقلية سنة 2024. كما تسعى إلى توسيع عروض التكوين بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي، وتفعيل اتفاقيات لتعزيز البحث العلمي في هذا المجال بحلول عام 2030.

أما على مستوى البنيات التحتية، فتعمل وزارة الصحة على تعميم وحدات الصحة النفسية والعقلية في المستشفيات الإقليمية، إلى جانب إحداث فرق متنقلة للتدخل في حالات الأزمات، وتوفير الاستشارات الخارجية للمناطق المحرومة، في إطار المخطط الوطني متعدد القطاعات للصحة النفسية والعقلية الممتد إلى سنة 2030.

وتعهد الوزير أيضًا بمراجعة الإطار القانوني المنظم لهذا القطاع، بما ينسجم مع المعايير الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق المرضى وظروف الإيداع القسري، مع إعداد بروتوكولات علاجية موحدة لأمراض كالانفصام، والاكتئاب، ومحاولات الانتحار.

تحليل: هل يفي الوزير بوعوده؟

رغم أن ما جاء على لسان وزير الصحة يشير إلى وجود نية إصلاحية واضحة، إلا أن الواقع على الأرض يكشف عن هوة شاسعة بين التشخيص والتنزيل الفعلي. فإلى اليوم، ما زالت المناطق القروية والهوامش بدون أطباء نفسانيين أو مراكز متخصصة، وتظل حوادث العنف المقرونة باضطرابات عقلية شاهدة على تأخر الدولة في تقديم رعاية فعالة ومستدامة.

كما أن الكم العددي للمناصب المخصصة لا يزال محدودًا، مقارنة بالحاجة الوطنية، مما يُنذر بأن هذه التدابير قد تكون مجرد مسكنات ظرفية إذا لم تواكبها إرادة سياسية قوية وميزانيات حقيقية تُخصص للوقاية والعلاج والدعم الاجتماعي.

في ظل هذه الظروف، تبقى أسئلة مشروعة مطروحة: هل يستفيق قطاع الصحة النفسية فعلاً من سباته؟ أم أن الوزير التهراوي اكتفى فقط بردود تقنية، بعد أن قرعته الأحداث الدموية الأخيرة من غفوته؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى