احتقان بـ “جنان السبيل”: اتهامات لرئيسة مجموعة الجماعات و مطالب بتدخل الوالي

حوّل المدخل الرئيسي لحديقة حديقة جنان السبيل، إلى منصة احتجاج مفتوحة بعدما خاض عدد من عمال الإنعاش الوطني الموضوعين رهن إشارة مجموعة الجماعات الترابية جنان السبيل وقفة غاضبة، رفعوا خلالها شعارات قوية تتهم رئيسة المجموعة بـ”الحيف” و”التمييز” و”التضييق”، مطالبين بفتح تحقيق فوري في ما وصفوه باختلالات خطيرة في التدبير الإداري والمالي.
الاحتجاج، الذي جاء وفق المحتجين ضمن برنامج نضالي تصعيدي، لم يكن – حسب تعبيرهم – خطوة معزولة أو ارتجالية، بل “صرخة بعد بلوغ الحائط المسدود”، على خلفية تأخر صرف الأجور للشهر الثاني على التوالي، وربطها بشروط تعاقدية اعتبروها مجحفة، إلى جانب اتهامات باستقدام أشخاص من خارج إقليم فاس، وتحديدًا من تاونات، يتقاضون أجورًا دون أداء فعلي للعمل.
أجور متأخرة وعقود “إذعان” تثير الجدل
في تصريحات متطابقة لعدد من العمال، أكدوا أنهم تفاجؤوا بعدم صرف مستحقاتهم الشهرية للشهر الثاني تواليًا، رغم استمرارهم في أداء مهامهم داخل الحديقة التي تُعد من أبرز المعالم التاريخية والسياحية بالعاصمة العلمية.
وبحسب المعطيات التي قدمها المحتجون، فإن رئيسة المجموعة ربطت صرف الأجور بالتوقيع على وثيقة تعاقدية جديدة حُددت مدتها في ثلاثة أشهر فقط، وهو ما وصفوه بـ”عقد إذعان مشبوه” لا يراعي سنوات اشتغالهم السابقة كعمال عرضيين، ولا يضمن لهم أي استقرار مهني أو اجتماعي.
العمال اعتبروا أن هذا الإجراء يشكل تراجعًا عن مكتسبات سابقة، ويفتح الباب أمام هشاشة مهنية مزمنة، خاصة في ظل غياب توضيحات رسمية حول أسباب هذا التغيير المفاجئ في طبيعة العلاقة الشغلية.
اقتطاعات للضمان الاجتماعي… دون أداء الحصة القانونية؟
ومن بين النقاط التي فجّرت غضب العمال، مسألة الاقتطاعات المرتبطة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. إذ أفاد المحتجون بأن رواتبهم كانت تخضع لاقتطاعات شهرية، غير أنهم فوجئوا – بحسب تصريحاتهم – بعدم أداء الجهة المشغلة لنصيبها القانوني، ما يطرح علامات استفهام حول مدى احترام المقتضيات الاجتماعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
هذا المعطى، إن ثبتت صحته، يضع الملف في خانة تتجاوز التأخر الإداري في صرف الأجور، لتلامس مسؤوليات قانونية واجتماعية أوسع، خاصة وأن عمال الإنعاش الوطني يُفترض أن يستفيدوا من الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، انسجامًا مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعميم التغطية الاجتماعية.
اتهامات باستقدام عمال من تاونات دون اشتغال فعلي
أخطر ما جاء في تصريحات المحتجين، اتهامهم لرئيسة المجموعة باستقدام أشخاص من إقليم تاونات، دون أن يؤدوا عملاً فعليًا داخل الحديقة، مقابل تمكينهم من أجور شهرية.
العمال اعتبروا أن هذا السلوك – إن ثبت – يشكل ضربًا لمبدأ تكافؤ الفرص، وإقصاءً ليد عاملة محلية تعاني أصلًا من هشاشة اجتماعية، فضلًا عن كونه يطرح تساؤلات حول معايير الانتقاء والتوظيف داخل المجموعة.
وتساءل أحد المحتجين: “كيف يُعقل أن يُحرم عمال يشتغلون يوميًا داخل جنان السبيل من أجورهم، في حين يتم توظيف آخرين من خارج الإقليم دون حضور فعلي؟”.
هذه الاتهامات، التي تحتاج إلى تدقيق رسمي، تعكس حجم الاحتقان داخل المؤسسة، وتؤكد أن الاحتجاج لم يكن بدافع مطلب مادي ظرفي، بل نتيجة تراكمات اعتبرها العمال “غير مقبولة”.
تضييق على العمل النقابي؟
إلى جانب المطالب المالية، أشار المحتجون إلى ما وصفوه بـ”التضييق على العمل النقابي”، مؤكدين أن محاولاتهم لطرح مطالبهم عبر قنوات الحوار لم تجد آذانًا صاغية، ما دفعهم إلى خوض أشكال احتجاجية علنية.
ويؤكد متتبعون أن غياب آلية مؤسساتية دائمة للحوار الاجتماعي داخل مثل هذه البنيات يفاقم الأزمات، ويحول مطالب مهنية قابلة للتفاوض إلى ملفات مفتوحة على التصعيد الإعلامي والميداني.
جنان السبيل… رمز سياحي في قلب العاصفة
حديقة جنان السبيل، التي تعود جذورها إلى الحقبة المرينية، ليست مجرد فضاء أخضر، بل معلمة تاريخية وسياحية تستقطب آلاف الزوار سنويًا، وتشكل متنفسًا بيئيًا لساكنة فاس وزوارها.
وأي توتر اجتماعي داخل المؤسسة المشرفة على تدبيرها ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة، وعلى صورة المدينة كوجهة سياحية. وهو ما يجعل تدبير الموارد البشرية داخل المجموعة مسألة تتجاوز بعدها الإداري، لتلامس البعد التنموي والسياحي للمدينة.
مطالب بفتح تحقيق… والأنظار تتجه نحو والي الجهة
في ختام وقفتهم، وجّه المحتجون نداءً مباشرًا إلى والي جهة فاس مكناس، خالد آيت الطالب، مطالبين بفتح تحقيق عاجل وشامل في ما يجري داخل مجموعة الجماعات الترابية جنان السبيل.
العمال شددوا على أن احتجاجهم “لم يأتِ من فراغ”، بل بعد استنفاد كل سبل التواصل الداخلي، مؤكدين أنهم لا يسعون إلى التصعيد بقدر ما يطالبون بإنصافهم وضمان حقوقهم الأساسية في الأجر والحماية الاجتماعية والاستقرار المهني.
ويرى متابعون أن تدخل السلطة الإقليمية، عبر لجنة افتحاص أو مهمة تفتيش إداري، من شأنه أن يضع حدًا لحالة الجدل، إما بتأكيد الاتهامات وترتيب المسؤوليات، أو بتوضيح الصورة للرأي العام إذا تبين عكس ذلك.
بين الحكامة والمسؤولية
الملف المطروح اليوم داخل جنان السبيل يختبر مفهوم الحكامة المحلية، ومدى احترام مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمؤسسات الترابية، خاصة تلك التي تدبر مرافق عمومية ذات رمزية كبرى، مطالبة بتدبير شؤونها وفق قواعد واضحة، تضمن العدالة بين العاملين، وتحترم القوانين الاجتماعية الجاري بها العمل.
الاحتجاجات الحالية تضع رئيسة المجموعة أمام امتحان صعب: إما فتح باب الحوار والاستجابة الفورية للمطالب المشروعة، أو ترك الأزمة تتفاقم بما يحمله ذلك من كلفة اجتماعية وسياسية.
تحقيق عاجل أو تصعيد مفتوح
في ظل استمرار الاحتقان، يبدو أن الكرة باتت في ملعب سلطات ولاية الجهة. فإما أن يتم فتح تحقيق شفاف يعيد ترتيب الأوراق ويُنصف المتضررين، أو أن تتسع دائرة الاحتجاج لتشمل أشكالًا تصعيدية جديدة قد تؤثر على السير العادي لهذا المرفق الحيوي.
عمال الإنعاش الوطني بجنان السبيل رفعوا سقف مطالبهم، واتهموا بشكل مباشر، ووجّهوا نداءً صريحًا لوالي الجهة.
ويبقى السؤال معلقًا: هل تتحرك الجهات المعنية سريعًا لاحتواء الأزمة وكشف الحقيقة كاملة؟
أم أن صمت المؤسسات سيُغذي مزيدًا من الغضب في واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية في قلب فاس؟






