الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس تقود قفزة نوعية في تدبير الماء والتطهير والكهرباء.. 353 مليون درهم لمحطة جديدة بتازة ومشاريع كبرى لتعزيز الأمن المائي والبيئي

تدخل جهة فاس-مكناس مرحلة جديدة في تدبير خدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، مع انتقال الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تنزيل مشاريع استثمارية كبرى تمتد على مختلف أقاليم الجهة، وتجمع بين تحديث البنيات التحتية، تعزيز الأمن المائي، تحسين جودة الخدمات، وتقوية القرب من المواطنين.
ويأتي المشروع الجديد بمدينة تازة، الذي تبلغ قيمته حوالي 353,57 مليون درهم، ليشكل أحد أبرز المؤشرات على هذه الدينامية، بعدما أطلقت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس طلب عروض لإنجاز محطة جديدة لمعالجة المياه العادمة، في مشروع لا يقتصر على التخلص من المياه المستعملة، وإنما يتجه نحو تثمينها وإعادة استعمال جزء منها، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعرفها السياسة الوطنية في مجال تدبير الموارد المائية.
محطة جديدة بتازة.. استثمار في البيئة والماء معاً
المشروع المبرمج بمدينة تازة يتجاوز في دلالاته مجرد إنشاء محطة للتطهير السائل، إذ يتعلق ببنية تحتية استراتيجية ستعزز قدرات المدينة في معالجة المياه العادمة والحد من آثارها على الوسط الطبيعي.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية للمحطة حوالي 20 ألفاً و198 متراً مكعباً من المياه العادمة يومياً، باستعمال تقنية الحمأة المنشطة منخفضة الحمولة، فيما يتضمن المشروع أيضاً وحدة للمعالجة الثلاثية بطاقة تصل إلى ألفي متر مكعب يومياً.
وتكتسي المعالجة الثلاثية أهمية خاصة، لأنها تفتح المجال أمام رفع جودة المياه المعالجة إلى مستويات تسمح بإعادة استعمالها في بعض المجالات، وهو ما يحول المياه العادمة من عبء بيئي إلى مورد يمكن تثمينه في ظل الضغط المتزايد على الموارد المائية.
كما يتضمن المشروع استغلال وصيانة المنشأة لمدة خمس سنوات، بما يهدف إلى ضمان استمرارية أدائها والمحافظة على مردوديتها واحترام المعايير التقنية والبيئية المعتمدة.
وبذلك، فإن محطة تازة التي تقودها الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس تمثل توجهاً جديداً في التعامل مع التطهير السائل، يقوم على المعالجة والتثمين وإعادة الاستعمال، وليس فقط على تصريف المياه العادمة.
329 مليون درهم لتازة في التطهير السائل
ولا ينفصل المشروع الجديد عن برنامج استثماري أوسع وضعته الشركة بإقليم تازة برسم سنة 2026.
فخلال اجتماع تشاوري حول استراتيجية الشركة بالإقليم، تم الكشف عن تخصيص حوالي 538 مليون درهم لمشاريع الماء والكهرباء والتطهير السائل، من بينها 77 مليون درهم لقطاع الماء الصالح للشرب، و329 مليون درهم للتطهير السائل، و132 مليون درهم لقطاع الكهرباء.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم التحول الذي تشهده طريقة تدبير المرافق الأساسية بالإقليم، حيث لم تعد المقاربة تقتصر على التدخل عند وقوع الأعطاب، وإنما أصبحت تقوم على الاستثمار الاستباقي وتقوية الشبكات وإنجاز منشآت جديدة تستجيب للحاجيات المستقبلية.
وهنا تبرز الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس كفاعل جهوي موحد، يشتغل على القطاعات الثلاثة في إطار رؤية متكاملة، بما يسمح بربط الاستثمار في الماء بالتطهير والكهرباء، بدل التعامل مع كل مرفق بمعزل عن الآخر.
من معالجة المياه العادمة إلى تحلية المياه الأجاجة
وإذا كان مشروع تازة يمثل واجهة مهمة للتحول في مجال التطهير السائل، فإن تجربة الشركة في مجال المياه الأجاجة تكشف بدورها عن انتقال واضح نحو البحث عن مصادر مائية غير تقليدية.
فمدينة ميسور شهدت دخول محطة تحلية المياه الجوفية الأجاجة حيز الاستغلال، بطاقة إنتاجية تبلغ 3 لترات في الثانية، بما يسمح بتلبية حاجيات أكثر من 5000 نسمة، أي حوالي 18 في المائة من ساكنة المنطقة.
وتولت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس عملية تركيب وتشغيل المحطة، في إطار شراكة تجمع عدداً من المتدخلين، لتصبح معالجة المياه الجوفية المالحة وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب إحدى الأدوات الجديدة لتعزيز الأمن المائي بالإقليم.
وتكتسي هذه التجربة أهمية خاصة بالنسبة لجهة فاس-مكناس، التي تواجه بدورها آثار الإجهاد المائي والتغيرات المناخية، إذ لم يعد ممكناً الاعتماد حصراً على الموارد التقليدية، بل بات تنويع مصادر المياه، بما فيها تحلية المياه الأجاجة، جزءاً من الحلول العملية المطروحة.
والأهم أن برنامج الشركة لا يتوقف عند محطة واحدة، إذ يندرج المشروع ضمن تصور أوسع لإحداث 11 محطة لتحلية المياه الأجاجة بمختلف أقاليم وعمالات الجهة، بما يعكس توجهاً نحو بناء منظومة جهوية للأمن المائي تستفيد من الموارد المحلية غير التقليدية.
مليارات الدراهم لإعادة بناء شبكة الخدمات الأساسية
وتأتي هذه المشاريع ضمن مخطط استثماري أكبر بكثير. فقد صادق المجلس الإداري للشركة على ميزانية استثمارية تناهز ملياري درهم برسم سنة 2026، فيما تبلغ قيمة المخطط متعدد السنوات 2026-2030 حوالي 10 ملايير درهم.
وتتوزع هذه الاستثمارات على قطاعات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، مع التركيز على تحديث الشبكات، تحسين مردوديتها، تقوية قدرات التخزين المائي، تطوير منظومة التطهير، وإدماج حلول إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
كما يتضمن البرنامج توسيع شبكات الماء والكهرباء بالعالم القروي، بما يساهم في تقليص الفوارق المجالية وتمكين الدواوير والمراكز القروية من خدمات أساسية أكثر استقراراً.
وهذه الأرقام تعكس بوضوح أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس لا تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مجرد عملية انتقال في تدبير المرافق، وإنما باعتبارها ورشاً استثمارياً طويل الأمد لإعادة تأهيل منظومة الخدمات الأساسية على مستوى جهة بأكملها.
تاونات نموذج آخر للاستثمار وتقليص الفوارق المجالية
وتظهر الدينامية نفسها بإقليم تاونات، حيث رصدت الشركة أكثر من 459 مليون درهم برسم سنة 2026 لتأهيل وتوسيع خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل.
وتتوزع هذه الاستثمارات بين حوالي 85,9 مليون درهم لقطاع الماء الصالح للشرب، ونحو 300 مليون درهم للتطهير السائل، وأكثر من 73 مليون درهم للكهرباء.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة في إقليم ذي طبيعة جغرافية صعبة وانتشار واسع للمراكز والدواوير، حيث يمثل تعميم الخدمات الأساسية وتقوية الشبكات تحدياً حقيقياً.
ومن هنا تأتي أهمية المقاربة التي تعتمدها الشركة، والقائمة على الانتقال إلى مختلف الأقاليم والاستماع إلى المنتخبين والسلطات والمواطنين وتشخيص الإكراهات على أرض الواقع، بدل الاكتفاء بالتدبير المركزي للملفات.
القرب من المواطن.. الشركة تفتح قنوات التواصل
ولا تتوقف التحولات التي تقودها الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس عند حجم الاستثمارات والأوراش التقنية، بل تشمل أيضاً طريقة التعامل مع المرتفقين.
فقد اعتمدت الشركة خلال الفترة الماضية سلسلة من اللقاءات التواصلية والميدانية مع السلطات والجماعات الترابية والمنتخبين وممثلي الساكنة، بهدف تشخيص الإشكالات وتحديد الأولويات وتقليص آجال التدخل.
وبإقليم تازة، مثلاً، تمت الدعوة إلى تنظيم زيارات واجتماعات ميدانية تشمل تسع دوائر وباشويات و38 جماعة ترابية، للوقوف على انتظارات السكان وتحديد الأولويات المرتبطة بالماء والكهرباء والتطهير السائل.
هذه المقاربة تعكس انتقالاً تدريجياً من نموذج التدبير الإداري التقليدي إلى نموذج يقوم على القرب والإنصات والتشخيص والتدخل، وهي عناصر أصبحت ضرورية لإنجاح ورش الشركات الجهوية متعددة الخدمات.
الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.. رهان المرحلة الجديدة
وتبرز الحكامة باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لنجاح النموذج الجديد. فحجم الاستثمارات المرصودة، وتعدد الأوراش، واتساع المجال الترابي الذي تغطيه الشركة، كلها عوامل تفرض وجود آليات صارمة للتتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولهذا أصبح تتبع المشاريع ونسب إنجازها وجودة الخدمات واستمرارية التزويد عناصر أساسية في تقييم أداء الشركة، إلى جانب ضرورة الحفاظ على المال العام وضمان توجيه الاستثمارات نحو الأولويات الحقيقية للسكان.
كما أن توحيد تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل داخل مؤسسة جهوية واحدة يتيح، من الناحية العملية، بناء رؤية متكاملة للاستثمار وتحديد الأولويات على أساس حاجيات المجالات الترابية، وليس فقط وفق منطق التدخلات المنفصلة.
وهذا ما يجعل الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس أمام مسؤولية مضاعفة: تنفيذ المشاريع في آجالها، ضمان جودتها، الاستجابة لانشغالات المرتفقين، وتقديم حصيلة قابلة للقياس أمام السلطات والمنتخبين والمواطنين.
من تدبير الأعطاب إلى صناعة الحلول
التحول الأبرز في تجربة الشركة يتمثل في الانتقال من منطق التدخل لمعالجة الأعطاب إلى منطق استباقي يقوم على الاستثمار في الحلول.
فمحطة تازة لمعالجة المياه العادمة، ومحطة تحلية المياه الأجاجة بميسور، وبرامج تقوية شبكات الماء والكهرباء بتاونات وتازة، والاستثمارات المبرمجة إلى غاية 2030، كلها مؤشرات على أن الرهان لم يعد مقتصراً على ضمان استمرار الخدمة اليومية، بل أصبح مرتبطاً ببناء بنية تحتية قادرة على مواكبة النمو الديموغرافي والعمراني والاقتصادي للجهة.
وفي قطاع الماء تحديداً، تتضح أهمية هذه المقاربة أكثر، لأن الأمن المائي لم يعد ملفاً ظرفياً، وإنما أصبح قضية استراتيجية تتطلب استثمارات متواصلة وتنويع مصادر التزود وتقليل ضياع المياه وتطوير حلول إعادة الاستعمال والتحلية.
قفزة نوعية تنتظرها مرحلة أكثر صرامة
بعد أكثر من سنة على انطلاق التجربة، تبدو الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من التأسيس إلى ترسيخ النتائج على الأرض.
فالأرقام الاستثمارية كبيرة، والمشاريع المبرمجة متعددة، والانتظارات الاجتماعية أكبر، خصوصاً في المناطق القروية والمراكز التي عانت لسنوات من ضعف البنيات التحتية أو محدودية الخدمات.
ومن شأن نجاح مشروع محطة تازة، إلى جانب مشاريع تحلية المياه الأجاجة وتقوية شبكات الماء والكهرباء وتطوير التطهير السائل، أن يعزز موقع الشركة كفاعل جهوي أساسي في تنفيذ السياسات العمومية المتعلقة بالأمن المائي والطاقي والبيئي.
لكن النجاح الحقيقي سيظل مرتبطاً بقدرة الشركة على تحويل الاعتمادات المرصودة إلى مشاريع منجزة في آجالها، وربط الاستثمار بجودة الخدمة، وجعل التواصل مع المواطن جزءاً دائماً من طريقة التدبير، مع الحفاظ على الصرامة في التتبع وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي المحصلة، فإن ما يجري اليوم في جهة فاس-مكناس يتجاوز مجرد إعادة توزيع مسؤوليات تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل؛ إنه إعادة بناء لنموذج المرفق العمومي الجهوي. وفي قلب هذا التحول تقف الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس أمام اختبار كبير، لكنه يحمل في الوقت نفسه فرصة حقيقية لتقديم نموذج جديد في الحكامة والاستثمار والقرب، يجعل جودة الخدمة وحق المواطن في الماء والكهرباء والتطهير أساساً لأي تقييم للمرحلة المقبلة.






