قضايا

أوروبا تحت تهديدات جوية متتالية.. أكثر من 12 طائرة مدنية مستهدفة بإنذارات قنابل ومقاتلات حربية تتدخل لمواكبة الرحلات

أوروبا تحت تهديدات جوية متتالية.. أكثر من 12 طائرة مدنية مستهدفة بإنذارات قنابل ومقاتلات حربية تتدخل لمواكبة الرحلات

دخلت حركة الملاحة الجوية في عدد من الدول الأوروبية، اليوم الخميس 5 نونبر 2026، مرحلة جديدة من الاضطراب الأمني، بعدما توالت التهديدات بوجود قنابل على متن طائرات مدنية، في موجة امتدت لليوم الثالث على التوالي، واستهدفت ما لا يقل عن 12 رحلة جوية، وفق الحصيلة الأولية التي أوردتها تقارير إعلامية دولية، فيما رفعت تحديثات لاحقة عدد الرحلات المستهدفة إلى 14 رحلة.

وتسببت هذه التهديدات في استنفار واسع للأجهزة الأمنية والعسكرية، مع تدخل مقاتلات حربية لمواكبة عدد من الطائرات المدنية وتأمين وصولها إلى وجهات آمنة، فضلا عن تحويل مسارات رحلات جوية وإجبار أخرى على الهبوط الاضطراري، وسط تفعيل بروتوكولات أمنية مشددة داخل المطارات المعنية.

ومن أبرز الحوادث التي سجلت اليوم، تحويل مسار طائرة تابعة لشركة «إير لينغوس» كانت تؤمن رحلة بين دبلن وروما، بعدما تلقت السلطات بلاغا بوجود تهديد بوجود قنبلة على متنها. واضطرت الطائرة، التي كانت تقل 151 مسافرا وستة من أفراد الطاقم، إلى الهبوط في قاعدة إيفرو العسكرية بمنطقة نورماندي الفرنسية، حيث جرى إجلاء الركاب وتأمينهم، قبل مباشرة الفرق المختصة عمليات التفتيش والتأكد من خلو الطائرة من أي مواد متفجرة.

وتدخلت السلطات الفرنسية على أعلى مستوى لمتابعة الحادث، في وقت جرى فيه تسخير فرق متخصصة في تفكيك المتفجرات وإجراءات التأمين العسكري، بينما أكدت المعطيات الأولية سلامة جميع الركاب وأفراد الطاقم.

ولم تقتصر التطورات على فرنسا، إذ شهدت إيطاليا بدورها استنفارا جويا، بعدما تعرضت رحلة تابعة لشركة «فين إير» قادمة من هلسنكي ومتجهة إلى روما لتهديد مماثل، ما استدعى تدخل مقاتلات تابعة لسلاح الجو الإيطالي لمواكبتها إلى حين هبوطها بمطار روما فيوميتشينو، حيث خضعت الطائرة لإجراءات تفتيش دقيقة، دون العثور على أي مواد مشبوهة.

وفي بلغاريا، اتخذت السلطات إجراءات أمنية واسعة بعد استهداف ثلاث رحلات جوية تابعة لشركة «ريان إير»، كانت متجهة إلى العاصمة صوفيا انطلاقا من كوبنهاغن ومدريد ولندن. وتدخل سلاح الجو البلغاري لمواكبة الطائرات المعنية، فيما اضطرت إحدى الرحلات القادمة من مطار لندن ستانستيد إلى تغيير وجهتها والهبوط بمطار بلوفديف، بينما تمكنت الرحلتان الأخريان من الوصول إلى صوفيا بسلام.

كما امتدت التهديدات إلى جمهورية التشيك، حيث أعلنت الشرطة تلقي بلاغات تتعلق بأربع طائرات كانت متجهة إلى العاصمة براغ، مؤكدة التنسيق مع سلطات المطار لتأمين عمليات الهبوط وإخضاع الطائرات المعنية لعمليات تفتيش بواسطة الفرق المختصة، رغم أن التقييم الأولي لمصداقية التهديدات لم يكن مرتفعا.

وسجلت بولندا بدورها إجراءات أمنية احترازية، بعدما خضعت رحلة تابعة لشركة الخطوط الجوية البولندية «لوت» كانت تستعد للإقلاع من وارسو نحو باريس للفحص الأمني، كما شهدت حركة الطيران بمطار شوبان بعض الاضطرابات المؤقتة، في سياق التعامل مع البلاغات الواردة.

وتعرضت كذلك رحلات أخرى تابعة لشركات طيران أوروبية لتهديدات مماثلة، من بينها «ويز إير»، التي أعلنت تحويل مسار إحدى رحلاتها المتجهة من ميلانو إلى وارسو نحو فيينا، تفعيلا لإجراءات السلامة المعتمدة.

ثلاثة أيام من التهديدات.. هل يتعلق الأمر ببلاغات معزولة أم حملة منسقة؟

وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى تكرارها خلال فترة زمنية قصيرة، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بحادث منفرد أو بلاغ أمني عابر، بل باتت موجة متتالية من التهديدات التي استهدفت شركات طيران ومطارات في دول أوروبية متعددة.

فخلال الثلاثاء 3 نونبر، شهدت عدة مطارات أوروبية حوادث مماثلة، شملت رحلات تابعة لشركات «ريان إير» و«ويز إير» و«لوت» و«ساس»، وأدت إلى تحويل مسارات بعض الطائرات وإغلاق مؤقت لمرافق مطارية، قبل أن تكشف عمليات التفتيش عدم وجود متفجرات.

وتواصلت الإنذارات يوم الأربعاء 4 نونبر، بعدما استهدفت تهديدات جديدة سبع رحلات جوية على الأقل، وفق المعطيات التي تداولتها وكالات الأنباء الدولية، قبل أن تتجدد الحوادث بوتيرة أكبر اليوم الخميس.

وبحسب الحصيلة التي أوردتها وكالة فرانس برس، فقد تجاوز عدد الإنذارات المبلغ عنها خلال هذه الأيام العشرين بلاغا، فيما كانت شركة «ريان إير» من أكثر الشركات تعرضا لهذه التهديدات، بعدما طالت سبع رحلات تابعة لها على الأقل خلال الموجة الأخيرة.

وحتى الآن، لم تسفر عمليات التفتيش المعلنة عن العثور على متفجرات أو أجهزة خطيرة على متن الطائرات المستهدفة، وهو ما يعزز فرضية التعامل مع بلاغات كاذبة، دون أن يعني ذلك التقليل من خطورتها أو استبعاد أي احتمال قبل انتهاء التحقيقات.

الحرب الهجينة تعود إلى الواجهة.. وأوروبا أمام اختبار أمني جديد

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش الأوروبي بشأن طبيعة التهديدات الأمنية غير التقليدية، خصوصا ما يعرف بالحرب الهجينة، التي لا تعتمد بالضرورة على المواجهة العسكرية المباشرة، وإنما توظف وسائل متعددة لإرباك المؤسسات الحيوية، واستنزاف الموارد الأمنية، وإحداث اضطراب في المرافق والخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، أثار تكرار التهديدات ضد الطيران المدني تساؤلات بشأن احتمال وجود تنسيق بين الجهات التي تقف وراء هذه البلاغات، ومدى ارتباطها بجهات منظمة أو حملات تستهدف إرباك حركة النقل الجوي الأوروبي.

وقد تحدث خبراء في أمن الطيران عن احتمالات متعددة، من بينها تقليد البلاغات السابقة، أو وقوف جهة واحدة وراء سلسلة من التهديدات، أو وجود ارتباط محتمل بأنشطة تدخل ضمن إطار الحرب الهجينة. كما طرحت بعض التقديرات الإعلامية والأمنية احتمالات تتعلق بروسيا وإيران، بالنظر إلى التوترات الجيوسياسية القائمة، غير أنه لم يصدر إلى حدود الآن دليل رسمي يثبت مسؤولية أي دولة أو جهة عن هذه الحوادث.

وتكمن خطورة هذا النوع من التهديدات في أن مجرد الإبلاغ عن احتمال وجود قنبلة يفرض على السلطات التعامل مع الأمر بمنتهى الجدية، بصرف النظر عن مدى مصداقية البلاغ، لأن أي تأخر في الاستجابة قد يعرض مئات المسافرين للخطر.

كما أن تكرار هذه العمليات يفرض على المطارات وشركات الطيران تخصيص موارد بشرية ولوجستية إضافية، والاستعانة بالفرق المتخصصة والمقاتلات الحربية عند الضرورة، وهو ما ينعكس على انتظام الرحلات، ويؤدي إلى تأخيرات وتحويلات في المسارات وارتفاع تكاليف التدبير الأمني.

وبينما تواصل الأجهزة المختصة الأوروبية تحقيقاتها لتحديد مصدر هذه التهديدات والجهات المحتملة التي تقف وراءها، تبقى الأنظار متجهة إلى نتائج التحقيقات الأمنية ومدى قدرة السلطات على كشف ما إذا كانت هذه البلاغات مجرد عمليات تضليل متفرقة أم جزءا من حملة منظمة تستهدف قطاع الطيران المدني.

وهكذا تجد أوروبا نفسها أمام اختبار أمني جديد، لا يرتبط فقط بحماية الطائرات والمسافرين، وإنما أيضا بقدرة أجهزتها على مواجهة التهديدات المتكررة التي تستهدف البنيات التحتية الحيوية وتربك الحياة اليومية، في وقت أصبحت فيه سلامة الملاحة الجوية مرتبطة بفعالية التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية عبر الحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى