مكناس.. الشركة الجهوية متعددة الخدمات تطلق أوراشاً جديدة لتأهيل الشبكات وتحديث البنيات التحتية.. الصرف الصحي والماء والكهرباء في صلب برنامج التدخل

لم يعد تدخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس بمدينة مكناس مقتصراً على التدبير اليومي للماء والكهرباء والتطهير السائل، بل بدأت تتضح ملامح مرحلة جديدة عنوانها تأهيل البنيات التحتية وتجديد التجهيزات والشبكات التي تشكل العمود الفقري للمرافق العمومية، في سياق التحولات التي تعرفها منظومة تدبير الخدمات الأساسية على المستوى الجهوي.
وتكشف طلبات العروض التي أطلقتها الشركة عن توجه نحو معالجة عدد من الاختلالات التقنية المتراكمة، من خلال الجمع بين اقتناء المعدات الضرورية لاستمرارية المرافق، وصيانة شبكات التطهير، وإصلاح الطرق والأرصفة المتضررة بسبب تدخلات الشبكات، إلى جانب تحديث بعض التجهيزات المرتبطة بتوزيع الكهرباء. وهو توجه يضع الشركة في قلب ورش إعادة تأهيل البنية التحتية الحضرية، وليس فقط في موقع مؤسسة تتولى تدبير الفواتير والتدخل عند وقوع الأعطاب.
وتكتسي هذه الدينامية أهمية خاصة بالنسبة لمكناس، بالنظر إلى امتدادها العمراني وحجم شبكاتها وتعدد الأحياء التي تحتاج إلى تدخلات تقنية متواصلة، فضلاً عن ضرورة ملاءمة التجهيزات القديمة مع متطلبات مدينة تتطلع إلى تحسين جاذبيتها وجودة العيش داخل فضائها الحضري.
وتبرز المعطيات المتعلقة بالصفقات العمومية التي أعلنت عنها الشركة خلال شهر أكتوبر 2026 حجم هذا التوجه، إذ لم تقتصر على طلب اقتناء مضخات الصرف الصحي، بل شملت عمليات تدخل أكثر اتساعاً، من بينها صفقة أشغال تنظيف شبكة التطهير السائل بمكناس، التي رُصد لها غلاف مالي تقديري يصل إلى 5.94 ملايين درهم، تحت رقم 440/P2/2026. وتكتسي هذه العملية أهمية بالغة بالنظر إلى دور تنظيف القنوات والمجاري في ضمان انسيابية تصريف المياه العادمة، والحد من الانسدادات والفيضانات الحضرية، خصوصاً خلال فترات التساقطات المطرية.
وفي السياق نفسه، أطلقت الشركة صفقة أخرى تحت رقم 439/P2/2026، تتعلق بإصلاح الطرق والأرصفة المتضررة على مستوى الشبكات التابعة لها، إلى جانب توفير ونقل وتركيب أغطية وتجهيزات إغلاق المنشآت المرتبطة بهذه الشبكات، بغلاف مالي تقديري يبلغ حوالي 2.99 مليون درهم. وتكشف هذه العملية عن توجه لمعالجة أحد الإشكالات التي ظلت تثير انتباه مستعملي الطريق والراجلين، والمتمثل في تدهور أجزاء من الطرق والأرصفة عقب عمليات التدخل التقني وإصلاح القنوات والمنشآت المدفونة تحت الأرض.
وتكمن أهمية هذه الصفقة في كونها تربط بين صيانة المرافق التقنية وإعادة الاعتبار للمجال الحضري، إذ لا ينبغي أن تنتهي أشغال إصلاح قنوات الماء أو التطهير بترك الحفر والتشققات والاختلالات على مستوى الطرقات، وإنما يفترض أن تتبعها عملية إعادة تهيئة وفق معايير تقنية تضمن سلامة مستعملي الطريق وتحافظ على جودة الفضاء العام.
أما على مستوى قطاع الكهرباء، فقد برمجت الشركة اقتناء عدادات كهربائية رقمية لفائدة زبناء الجهد المتوسط والتجهيزات المرتبطة بالتحويل والإنارة العمومية، في إطار صفقة تحمل رقم 429/P2/2026، بغلاف مالي تقديري يصل إلى 2.32 مليون درهم. ويعكس هذا الاستثمار توجهاً نحو تحديث وسائل القياس والتتبع وتحسين تدبير الاستهلاك الكهربائي، بما يتيح تطوير دقة المعطيات المرتبطة بالخدمة وتعزيز آليات المراقبة والتدبير التقني للشبكة.
وتكتمل هذه الصورة بصفقة اقتناء مجموعات المضخات المدفوعة المخصصة لاستغلال شبكة الصرف الصحي بمكناس، تحت رقم 438/P2/2026، بغلاف مالي تقديري يبلغ 720 ألف درهم. وهي تجهيزات تكتسي أهمية تشغيلية بالنظر إلى دور محطات الضخ في نقل المياه العادمة وضمان استمرار تدفقها عبر الشبكة، خصوصاً بالمناطق التي تفرض طبيعتها الطبوغرافية أو هندستها التقنية استعمال أنظمة الضخ.
وباحتساب هذه العمليات الأربع، يصل مجموع الأغلفة المالية التقديرية للصفقات المذكورة إلى حوالي 11.99 مليون درهم، وهو رقم يعكس تعدد مجالات التدخل التي فتحتها الشركة بمكناس، من التطهير السائل إلى إصلاح الطرق والأرصفة، مروراً بتحديث التجهيزات الكهربائية وتعزيز وسائل تشغيل شبكات الصرف الصحي.
ومن المهم الإشارة إلى أن يوم 3 نونبر 2026 كان آخر أجل لإيداع العروض بالنسبة إلى هذه الصفقات، أي أن آجال التنافس بشأنها انتهت أمس، ولا يعني ذلك أن الأشغال أنجزت أو أن الشركات نالت الصفقات بالفعل، إذ يظل الإعلان عن النتائج وإسنادها وفق المساطر المعمول بها مرحلة لاحقة يتعين تتبعها.
9.9 مليارات درهم.. إطار استثماري يتجاوز التدخلات الظرفية
ولا يمكن قراءة هذه التحركات التقنية بمعزل عن البرنامج الاستثماري متعدد السنوات للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس، الذي صادق عليه مجلسها الإداري في 29 دجنبر 2025، برئاسة والي الجهة خالد آيت الطالب، وبحضور المدير العام للشركة محمد الشاوي، إلى جانب مسؤولي المؤسسة وممثلي الهيئات المعنية.
ويتضمن هذا البرنامج تعبئة استثمارات تقدر بحوالي 9.9 مليارات درهم خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030، فيما جرى اعتماد ميزانية استثمارية برسم سنة 2026 تصل إلى ملياري درهم، في إطار رؤية تستهدف تحديث البنيات التحتية للماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل على مستوى مختلف أقاليم وعمالات الجهة.
ويستند هذا الورش إلى تصور يتجاوز معالجة الأعطاب اليومية، نحو تقوية شبكات التوزيع وتحسين مردوديتها، وتطوير قدرات التخزين المائي، وتحديث منشآت التطهير السائل، فضلاً عن البحث عن حلول مستدامة لإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، مع توجيه استثمارات نحو العالم القروي لتوسيع شبكات الماء والكهرباء وتقليص الفوارق المجالية.
وتتولى الشركة، التي انطلقت في يوليوز 2025، تدبير مرافق الماء والكهرباء والتطهير السائل على مستوى عمالتي فاس ومكناس وأقاليم صفرو والحاجب ومولاي يعقوب وإفران وبولمان وتازة وتاونات، بما يشمل أكثر من 194 جماعة ويخدم ساكنة يتجاوز تعدادها أربعة ملايين نسمة. وهو نطاق ترابي واسع يجعل من النجاعة التشغيلية والتنسيق بين مختلف المديريات الإقليمية شرطاً أساسياً لتحقيق أهداف البرنامج الاستثماري.
النجاعة والحكامة.. الرهان الحقيقي لمرحلة التأهيل
إن ما يجري الإعلان عنه بمكناس يضع الشركة الجهوية متعددة الخدمات أمام مسؤولية الانتقال من منطق تدبير المرافق إلى منطق إعادة تأهيلها وتطوير أدائها، خصوصاً أن شبكات الماء والتطهير والكهرباء ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين، كما تؤثر على جاذبية المدينة وقدرتها على استقطاب الاستثمارات ومواكبة التوسع العمراني.
ويظل الرهان الأساسي هو ضمان التكامل بين مختلف الأوراش، حتى لا يتم إصلاح الطرق قبل تجديد القنوات التي تمر تحتها، ثم العودة إلى حفرها من جديد بعد أشهر بسبب أعطاب أو تدخلات تقنية متأخرة. فالحكامة الجيدة تقتضي اعتماد برمجة مسبقة للأشغال، وتنسيقاً بين تدخلات الماء والكهرباء والتطهير والجهات المكلفة بالطرق، مع احترام دفاتر التحملات وآجال التنفيذ والجودة المطلوبة.
كما أن النجاعة لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة أو عدد طلبات العروض المعلن عنها، وإنما بمدى انعكاسها على جودة الخدمات، وتقليص التسربات المائية، والحد من الأعطاب الكهربائية، وتحسين تصريف المياه العادمة، والاستجابة السريعة لشكايات المواطنين.
وتبرز هنا أهمية اعتماد مؤشرات دقيقة لتقييم مردودية الشبكات، وتطوير الصيانة الوقائية بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الأعطاب، إلى جانب تعزيز الشفافية في إسناد الصفقات وتتبع تنفيذها ومراقبة جودة الأشغال، ونشر المعطيات المتعلقة بتقدم المشاريع ومآلها.
وبالنسبة إلى مكناس، فإن تجديد الشبكات المدفونة تحت الأرض يظل مدخلاً أساسياً لأي تأهيل حضري مستدام، لأن جمالية الشوارع والساحات لا يمكن أن تتحقق بصورة دائمة دون بنية تحتية سليمة وقادرة على مواكبة حاجيات المدينة.
وهكذا، تبدو الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس أمام مرحلة مفصلية في مسار تطوير المرافق الأساسية، عنوانها الاستثمار والتأهيل وتحديث التجهيزات، فيما سيكون الاختبار الحقيقي هو تحويل هذه البرمجة والصفقات إلى أوراش منجزة على أرض الواقع، يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية، وتنعكس إيجاباً على مستقبل مكناس ومكانتها داخل النسيج الحضري والاقتصادي لجهة فاس مكناس.






