المنصوري تتحرك على وقع تسونامي الأسعار.. اجتماع حكومي عاجل بالرباط لمواجهة تآكل القدرة الشرائية واحتقان متزايد بسبب غلاء المحروقات والمواد الاستهلاكية

في ظل موجة الغلاء المتواصلة التي تشهدها الأسواق المغربية، وما خلفته من ضغوط متزايدة على القدرة الشرائية للأسر، سارعت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى ترؤس اجتماع بالرباط، اليوم الثلاثاء، خصص لتدارس مستجدات الوضع الاقتصادي الوطني، والوقوف على تطورات الأسعار وانعكاساتها المباشرة على الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين، في خطوة تأتي وسط تصاعد المخاوف من اتساع دائرة الغلاء واستنزاف ما تبقى من القدرة المالية للأسر، خصوصا الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
ويأتي هذا التحرك الحكومي في ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة، بعدما باتت موجة ارتفاع الأسعار تلقي بظلالها الثقيلة على الأسواق، ولم تعد تقتصر على مادة استهلاكية بعينها، بل امتدت إلى المحروقات والخضر واللحوم والمواد الأساسية التي تشكل العمود الفقري للاستهلاك اليومي للمغاربة. فقد عادت أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل تسجيل مستويات مرتفعة للغازوال تجاوزت 17 درهما للتر في بعض محطات التوزيع، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تكاليف النقل والتوزيع والإنتاج، ويغذي بدوره موجات الغلاء في قطاعات واسعة.
ولم تقف تداعيات هذه الزيادات عند حدود المحروقات، إذ تعرف أسواق الخضر بدورها ارتفاعات أثارت استياء المستهلكين، خاصة أسعار الطماطم والبطاطس والبصل، وهي مواد أساسية لا تكاد تخلو منها المائدة المغربية. كما امتدت الضغوط إلى اللحوم الحمراء والدجاج، بعدما تجاوز سعر هذا الأخير 23 درهما للكيلوغرام في عدد من نقاط البيع، فضلا عن استمرار ارتفاع أسعار مجموعة من المواد الاستهلاكية الأخرى، الأمر الذي جعل تدبير المصاريف اليومية تحديا حقيقيا بالنسبة إلى شرائح واسعة من المجتمع.
وتكتسي هذه الزيادات خطورة خاصة بالنظر إلى ترابط أسعار المحروقات بباقي مكونات الاقتصاد الوطني، إذ إن ارتفاع كلفة الغازوال لا يتوقف تأثيره عند محطات الوقود، بل يمتد إلى النقل المهني ونقل البضائع والمنتجات الفلاحية، ويؤثر بصورة مباشرة على تكاليف وصول السلع إلى الأسواق، وهو ما يجعل المواطن يتحمل تبعات سلسلة من الزيادات المتتالية، دون أن تواكبها بالضرورة تحسينات في الدخل أو إجراءات تخفف من وطأتها.
وأمام هذا الوضع، أكدت المنصوري أن الحكومة تدرك حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وما تفرضه من أعباء إضافية على الأسر المغربية، ولاسيما الفئات الفقيرة والطبقة المتوسطة التي تجد نفسها في مواجهة متواصلة مع ارتفاع تكاليف المعيشة. وشددت على أن حماية القدرة الشرائية وصيانة التماسك الاجتماعي تشكلان أولوية قصوى في تنفيذ البرنامج الحكومي، معلنة عزم الحكومة صياغة وتنفيذ إجراءات عملية وملموسة للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار وضمان استقرار السوق الوطنية واستمرار التزود العادي بالمواد الأساسية.
لجنة بين وزارية لمراقبة الأسعار واستنفار القطاعات الحكومية
ومن أبرز مخرجات الاجتماع، قرار إحداث لجنة بين وزارية تضم مختلف القطاعات الحكومية المعنية، تتولى التتبع الدوري لتقلبات الأسعار بالسوق الوطنية، والعمل على اتخاذ التدابير اللازمة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وستعقد هذه اللجنة اجتماعات منتظمة في إطار آلية لليقظة والتنسيق بين القطاعات، مع إيلاء اهتمام خاص للمواد الاستهلاكية التي تعرف إقبالا متزايدا، خصوصا مع اقتراب شهر رمضان.
ويعكس تشكيل هذه اللجنة توجها نحو إشراك القطاعات الحكومية المعنية في مواجهة تداعيات الغلاء، بالنظر إلى تعدد العوامل المتحكمة في الأسعار، من المحروقات والنقل إلى الإنتاج الفلاحي والتسويق والتوزيع. وقد حضر الاجتماع وزير الداخلية، والأمين العام للحكومة، ووزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، ووزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، ووزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، إلى جانب وزير النقل واللوجستيك، بما يؤشر على تعدد واجهات التدخل التي باتت تفرضها الظرفية الاقتصادية.
الاختبار الحقيقي.. هل تتحول الوعود الحكومية إلى إجراءات ملموسة؟
ورغم أهمية الاجتماع والقرار المتعلق بإحداث لجنة بين وزارية، فإن الرهان الأساسي الذي ينتظره المغاربة لا يرتبط بعدد الاجتماعات أو التصريحات الحكومية، وإنما بمدى قدرة هذه الآلية على إحداث تغيير ملموس في الأسعار داخل الأسواق، وترجمة الالتزامات المعلنة إلى إجراءات يشعر المواطن بأثرها المباشر عند اقتناء حاجياته اليومية.
فالأسر المغربية لم تعد تنتظر تشخيصا جديدا لأسباب الغلاء، بعدما أصبحت تداعياته واضحة في تفاصيل حياتها اليومية، من مصاريف التنقل والوقود إلى سلة الخضر والفواكه واللحوم والمواد الأساسية. كما أن الطبقة المتوسطة التي ظلت لسنوات تشكل إحدى ركائز التوازن الاجتماعي تجد نفسها بدورها أمام تقلص مستمر في قدرتها على الادخار وتغطية المصاريف الشهرية.
ومن هنا تبرز ضرورة أن تشمل التدابير المرتقبة تشديد مراقبة الأسواق ومسالك التوزيع، والتصدي للمضاربات والاحتكار والوسطاء غير المبررين، وضمان احترام قواعد المنافسة وشفافية الأسعار، إلى جانب مراقبة تموين الأسواق بالمواد الأساسية، حتى لا تتحول تقلبات الأسواق الدولية أو الاختلالات الموسمية إلى مبرر لزيادات تثقل كاهل المستهلك النهائي.
كما يظل ملف المحروقات من بين أبرز التحديات المطروحة، بالنظر إلى انعكاساته المتشعبة على كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وهو ما يستدعي مقاربة تتجاوز المراقبة الظرفية إلى البحث عن حلول قادرة على الحد من انتقال الزيادات إلى أسعار باقي المنتجات والخدمات.
إن تحرك المنصوري وترؤسها هذا الاجتماع يعكسان إدراكا حكوميا لحساسية المرحلة وحجم الضغوط الاجتماعية التي تفرضها موجة الغلاء، غير أن نجاح هذه المبادرة سيظل رهينا بسرعة تنزيل القرارات وفعاليتها، ومدى قدرة اللجنة الجديدة على الانتقال من رصد الأسعار إلى التدخل الفعلي لمعالجة الاختلالات.
فالأمن الاجتماعي لا ينفصل عن الأمن الغذائي والقدرة على توفير القوت اليومي، واستمرار استنزاف جيوب المغاربة بفعل الزيادات المتلاحقة يضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية واجتماعية مباشرة، عنوانها حماية القدرة الشرائية وصيانة كرامة الأسر المغربية. وبين الوعود الحكومية وانتظارات الشارع، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح هذه اللجنة في كبح جماح الأسعار وإعادة التوازن إلى الأسواق، أم سيظل المواطن المغربي وحده في مواجهة تسونامي الغلاء؟






