قضايا

الريزو المفقود والإنترنت البطيءلإتصالات المغرب بجهة فاس مكناس.. حين يدفع المغاربة فواتير ثقيلة مقابل خدمة لا ترقى إلى الحد الأدنى من الجودة!

لم يعد ضعف شبكة الاتصالات والإنترنت بجهة فاس مكناس مجرد شكاوى عابرة أو أعطاب تقنية يمكن التغاضي عنها، بل تحول إلى معاناة يومية تطارد آلاف المشتركين، وتطرح علامات استفهام كبيرة حول جودة الخدمات التي تقدمها شركات الاتصالات، وفي مقدمتها شركة اتصالات المغرب، التي يجد عدد من زبنائها أنفسهم أمام شبكة تكاد تختفي في مناطق، وإشارة ضعيفة ومتقطعة في مناطق أخرى، وصبيب إنترنت لا يكاد يسمح حتى باستعمال عادي ومستقر للخدمات الرقمية،و معاناة حتى مع تحميل صفحة موقع إخباري.

المفارقة المؤلمة أن المواطن المغربي أصبح مطالبا بأداء فاتورته في موعدها، وبمبالغ ليست بالهينة، بينما لا يجد في المقابل خدمة تتناسب مع ما يدفعه. فالشبكة التي يفترض أن تتيح التواصل والعمل والدراسة والتعاملات الإدارية والمالية، تحولت في عدد من المناطق إلى مصدر يومي للإحباط، حتى بات بعض المشتركين يصفون سرعة الإنترنت بأنها أبطأ من مشية السلحفاة، في وقت أصبح فيه العالم يقيس تقدمه بسرعة الاتصال وجودته واستقراره.

وتتجه أصابع الانتقاد بشكل خاص إلى شبكة اتصالات المغرب، التي يسجل بشأنها مشتركون في مناطق متعددة تراجعا في التغطية، واختفاء الإشارة أحيانا، وضعفا شديدا في الصبيب، سواء تعلق الأمر بالإنترنت عبر الهاتف المحمول أو ببعض خدمات الاتصال الثابت. ولا تقف المشكلة عند مدينة بعينها، بل تتردد شكاوى من مناطق بفاس وتازة وتاونات وبولمان ومكناس وصفرو والحاجب وإفران ومولاي يعقوب، بما يجعل الموضوع قضية جهوية تستحق افتحاصا ميدانيا شاملا، وليس مجرد معالجة شكاوى فردية.

وتزداد خطورة هذه المعاناة عندما ننتقل إلى العالم القروي والمناطق الجبلية، حيث تصبح الشبكة في بعض الدواوير شبه منعدمة، ويجد المواطن نفسه مضطرا إلى البحث عن نقطة معينة داخل منزله أو الصعود إلى مكان مرتفع حتى يتمكن من إجراء مكالمة هاتفية أو إرسال رسالة عبر تطبيقات التواصل. وفي مناطق أخرى، تظهر إشارة الشبكة على الهاتف، لكن بمجرد محاولة تصفح الإنترنت يكتشف المشترك أن الصبيب لا يسمح بفتح الصفحات أو مشاهدة مقطع فيديو أو إجراء مكالمة مرئية بصورة طبيعية.

وتازة تقدم دليلا موثقا على أن الأمر يتجاوز مجرد الانطباعات. فقد وصل الموضوع إلى المؤسسة التشريعية، حيث سجل سؤال كتابي رقم 30996 تدهور خدمات شبكات الهاتف المحمول وصبيب الإنترنت بدواوير تابعة لجماعة بني فتح، ومنها دوار العناصر ودوار المرحلة ودوار سيدي زحنون، بسبب الانقطاعات المتكررة وضعف التغطية. كما سجل سؤال كتابي آخر رقم 23318، تقدمت به البرلمانية فدوى محسن الحياني، بشأن رداءة خدمات الإنترنت وتدهور الصبيب بمدينة تازة، والانقطاعات المتكررة وتأخر التدخلات التقنية. وهي معطيات تكشف أن أزمة الاتصال أصبحت موضوع مساءلة برلمانية، وليست مجرد نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولا تقف الصورة عند تازة، فقد سبق أن سجلت مناطق بإقليم بولمان وتاونات ومناطق جبلية أخرى شكاوى متكررة من ضعف التغطية والانقطاع، كما عرفت جماعات بإقليم تازة، من بينها الربع الفوقي وبني فراسن وبرارحة والصميعة وتازارين ومغراوة وبويبلان وأجدير وبورد، احتجاجات بسبب تردي خدمات الإنترنت والهاتف.

أما في فاس ومكناس وصفرو والحاجب وإفران ومولاي يعقوب، فإن شكاوى المشتركين من بطء التصفح وعدم استقرار الاتصال تفرض بدورها ضرورة إجراء قياسات ميدانية دقيقة، والوقوف على حقيقة جودة الخدمات المقدمة، بعيدا عن الأرقام التسويقية والإعلانات التي تتحدث عن السرعات والتكنولوجيا الحديثة.

المفارقة الأكبر أن المغرب يتحدث عن الجيل الخامس بينما لا تزال مناطق تعاني مع أبجديات الاتصال!

فحتى خدمات الإنترنت المنزلي المعتمدة على أجهزة الجيل الجديد لا تسلم، بحسب شكاوى عدد من المشتركين، من مشكلات ضعف الصبيب وعدم الاستقرار. والمواطن الذي يقتني جهازا ويؤدي اشتراكا شهريا على أساس الاستفادة من إنترنت سريع يجد نفسه أحيانا أمام خدمة لا تتيح له حتى عقد اجتماع مهني عن بعد أو متابعة درس إلكتروني دون انقطاع.

وهنا يبرز سؤال جوهري: ما جدوى الانتقال إلى الجيل الخامس، والترويج للسرعات الفائقة، إذا كانت مشاكل التغطية الأساسية لم تجد طريقها إلى الحل في عدد من المناطق؟ وهل ينبغي أن تظل التكنولوجيا الحديثة امتيازا للمناطق الكبرى، بينما تستمر مناطق أخرى في معركة يومية للعثور على إشارة هاتف مستقرة؟

الأرقام الرسمية تكشف بدورها أن جودة الخدمة أصبحت مصدر قلق حقيقيا.

فوفق المرصد الصادر عن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات بشأن شكايات المستهلكين إلى غاية نهاية مارس 2026، توصلت الوكالة خلال الفصل الأول من السنة بما مجموعه 887 شكاية، مقابل 257 شكاية خلال الفصل الأول من سنة 2025، أي بارتفاع كبير في عدد الشكايات المسجلة. والأكثر دلالة أن 62 في المائة من شكايات الفصل الأول من سنة 2026 تعلقت بجودة الخدمة، فيما ارتبطت 15 في المائة بالجوانب التعاقدية.

صحيح أن الوكالة تشير إلى معالجة جميع الشكايات المسجلة خلال الفترة المذكورة، لكن معالجة الشكاية إداريا لا تعني بالضرورة أن المشكل التقني انتهى في الميدان، ولا تعني أن المواطن استعاد جودة الخدمة التي يؤدي مقابلها. كما أن الوكالة نفسها تنبه إلى أن عدد الشكايات يظل محدودا مقارنة بإجمالي الاشتراكات في القطاع.

وهذه الأرقام تطرح سؤالا أكبر من مجرد عدد الشكايات: كم من مواطن يعاني في صمت ولا يتقدم بشكاية؟ وكم من مشترك اعتاد ضعف الشبكة حتى أصبح يعتبره أمرا طبيعيا؟

الفاتورة مرتفعة والخدمة لا ترقى إلى الانتظارات!

بالعودة إلى العروض المنشورة على الموقع الرسمي لاتصالات المغرب، نجد أن اشتراك الألياف البصرية بسرعة 100 ميغابت في الثانية يعرض مقابل 400 درهم شهريا، فيما يصل اشتراك 200 ميغابت في الثانية إلى 500 درهم شهريا. أما عروض الهاتف المحمول فتتدرج، من بين أمثلة الشركة المنشورة، من 59 درهما مقابل 3 جيغابايت إلى 119 درهما مقابل 29 جيغابايت، وصولا إلى عروض أعلى سعرا.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمقارنة الأسعار، بل بمقارنة ما يحصل عليه المستهلك فعليا مقابل ما يؤديه. فالمقارنة مع عدد من الأسواق الأوروبية تكشف أن المنافسة على أسعار الإنترنت وحجم البيانات أصبحت قوية في دول عديدة، وأن المستهلك هناك يستفيد من عروض سخية وأسعار تنافسية في كثير من الحالات. ولا يمكن تعميم مقارنة واحدة على جميع الدول والعروض، لكن من غير المقبول أن يظل المستهلك المغربي يدفع مبالغ مرتفعة دون ضمان جودة مستقرة ومعلنة.

والأكثر إزعاجا أن المواطن لا يؤدي فاتورته مقابل ظهور أعمدة الشبكة على شاشة هاتفه، بل مقابل خدمة حقيقية، تتيح له التواصل والتصفح والعمل وتحميل الملفات ومشاهدة المحتويات الرقمية. أما أن يدفع فاتورة شهرية كاملة، ثم يقضي نصف وقته في إعادة تشغيل جهاز التوجيه أو تغيير مكان الهاتف بحثا عن إشارة، فذلك وضع يحتاج إلى مراجعة جدية.

اتصالات المغرب مطالبة بتفسير ما يحدث، والوكالة مطالبة بالخروج من المراقبة المكتبية إلى الاختبار الميداني.

فدفتر التحملات المنشور بالجريدة الرسمية لا يترك مجالا للالتباس في هذا الموضوع، إذ يلزم اتصالات المغرب بالعمل على بلوغ مستويات جودة تضاهي المعايير الدولية، وضمان استمرارية الخدمة ومراقبة الشبكة وصيانتها وتجديد تجهيزاتها، كما ينص على التزامات تتعلق بفعالية الصيانة وسرعة إصلاح الأعطاب. ويمنح الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات إمكانية إجراء عمليات مراقبة لدى الشركة والاطلاع على مؤشرات جودة خدماتها.

وبناء عليه، فإن المطلوب اليوم ليس بلاغا عاما يتحدث عن الاستثمار والتحديث، ولا حملة ترويجية جديدة للجيل الخامس، وإنما افتحاص تقني حقيقي يشمل أقاليم جهة فاس مكناس التسعة، مع نشر نتائج قياسات الصبيب والتغطية، وتحديد المناطق التي تعاني من انعدام الإشارة، ومدى احترام الشركات للالتزامات المتعلقة بجودة الخدمة.

كما ينبغي فتح نقاش جدي حول تعويض المشتركين عن فترات الانقطاع الطويلة، ووضع آلية واضحة تتيح للمستهلك المطالبة بحقه عندما لا يحصل على الخدمة المتفق عليها، إلى جانب إلزام الشركات بتقديم توضيحات بشأن الأعطاب الكبرى والآجال المحددة لإصلاحها.

إن المسؤولية لا تقع على شركة واحدة فقط، فالمراقبة والتنظيم مسؤولية المؤسسات المختصة، لكن اتصالات المغرب، باعتبارها موضوع الشكاوى التي يثيرها عدد من المشتركين، مطالبة بتقديم أجوبة واضحة بشأن جودة شبكتها والاستثمارات الموجهة إلى تقوية التغطية بالجهة.

لقد أصبح الإنترنت اليوم ضرورة أساسية، وليس ترفا أو خدمة إضافية. الطالب يحتاج إليه لمتابعة دراسته، والتاجر لإنجاز معاملاته، والطبيب للتواصل مع المؤسسات الصحية، والإدارة لتقديم خدماتها الرقمية، والمقاول لإدارة أعماله، والمواطن للتواصل مع أسرته والعالم.

فكيف يمكن الحديث عن مغرب رقمي، وعن تعميم الخدمات الإلكترونية، وعن العدالة المجالية، بينما لا تزال مناطق من جهة فاس مكناس تعاني من شبكة تختفي وصبيب يتعثر عند أبسط عملية تصفح؟

إن المواطن ليس مطالبا بأداء فاتورة شهرية مقابل الوهم، وليس من المقبول أن تتحول أعمدة الشبكة إلى مجرد ديكور على شاشة الهاتف.

نريد شبكة حقيقية، وصبيبا يحترم ما يتم تسويقه، وخدمة مستقرة، واستجابة سريعة للأعطاب، وأسعارا تتناسب مع القدرة الشرائية للمغاربة. ونريد من اتصالات المغرب أن تتحدث إلى زبنائها، ومن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات أن تمارس رقابتها بصرامة، ومن الوزارة الوصية أن تجعل جودة الاتصال جزءا من معركة العدالة المجالية.

فإذا كانت الشركات قادرة على تسويق الجيل الخامس، فعليها أولا أن تضمن للمواطن حقه في الجيل الذي يستعمله اليوم. أما أن يظل المشترك يبحث عن الريزو ويؤدي الفاتورة كاملة، فهذه معادلة لم تعد مقبولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى