بنكيران يصعّد ضد أخنوش و«البام».. يطالب بالمحاسبة ويحذر من المديونية ويصف نتائج «البيجيدي» بميلاد جديد

عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى واجهة السجال السياسي المغربي بخطاب هجومي شمل عددا من خصومه السياسيين، في مقدمتهم رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش وحزب التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة وقيادته، وذلك خلال اللقاء الأسبوعي للفريق النيابي لحزبه بمجلس النواب، الاثنين 26 أكتوبر 2026.
وخصص بنكيران حيزا واسعا من مداخلته لقراءة نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، معتبرا أن حصول حزبه على 54 مقعدا يمثل، حسب تعبيره، ميلادا جديدا بعد مرحلة التراجع التي عاشها في انتخابات 2021. وفي المقابل، دعا إلى مساءلة أخنوش عن الملفات المرتبطة بفترة توليه رئاسة الحكومة، وشن انتقادات حادة على حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات الأخيرة، محذرا مما اعتبره مخاطر سياسية قد تمس البلاد والملكية.
بنكيران لأخنوش: مغادرة السياسة لا تعفي من المحاسبة
في تعليقه على الحديث عن احتمال مغادرة عزيز أخنوش الحياة السياسية، اعتبر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن ذلك أمر عادي، لكنه شدد على أن الانسحاب من العمل السياسي لا ينبغي، في نظره، أن يشكل مخرجا من المساءلة بشأن الملفات التي أثيرت خلال المرحلة الحكومية السابقة.
وطالب بنكيران أخنوش بتقديم توضيحات بشأن قضايا تضارب المصالح وقطاع المحروقات وما وصفه بالأرباح غير المشروعة، مؤكدا أن المحاسبة يمكن أن تتم عبر المسارات القضائية أو السياسية، وفق ما تقتضيه طبيعة كل ملف.
وربط بنكيران هذا الموقف بما اعتبره ضرورة تقديم أجوبة للرأي العام بشأن التدبير الحكومي السابق، في وقت لا يزال فيه ملف العلاقة بين المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية يحظى بحضور في النقاش العمومي المغربي.
ولم يكتف بنكيران بتوجيه الانتقادات إلى أخنوش، بل اعتبر أن حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه قد يواجه مستقبلا صعبا إذا لم يتمكن من مراجعة وضعه وتدبير المرحلة المقبلة، معتبرا أن الحزب كان قريبا من العدالة والتنمية في فترات سابقة، قبل أن يتحول، بحسب روايته، إلى أداة لمواجهة الحزب والتضييق عليه.
وأشار إلى أن الحزبين كانا يتقاطعان في بعض خصائصهما التنظيمية والاجتماعية، قبل أن تتغير طبيعة العلاقة السياسية بينهما، وهو ما يعكس حجم التحولات التي عرفتها التحالفات والتنافسات الحزبية خلال السنوات الماضية.
«ميلاد جديد» للعدالة والتنمية بعد تراجع 2021
وفي معرض حديثه عن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وصف بنكيران حصول حزبه على 54 مقعدا بأنه بمثابة ميلاد جديد، مستحضرا التراجع الكبير الذي سجله العدالة والتنمية في انتخابات سنة 2021، حين فقد جزءا كبيرا من تمثيليته البرلمانية.
واعتبر أن الحزب تمكن من استعادة جزء من حضوره السياسي، رغم الظروف التي واجهها خلال المرحلة السابقة، مشيرا إلى أن ما تعرض له لم يكن، في تقديره، مرتبطا فقط بعوامل خارجية، بل شمل أيضا أخطاء داخلية يتحمل الحزب مسؤوليتها.
وفي السياق ذاته، لمح بنكيران إلى اعتقاده بأن الحزب حصل تاريخيا على مقاعد أكثر مما أفرزته النتائج الرسمية، بما في ذلك الانتخابات الأخيرة، لكنه أقر بأن الواقع السياسي والانتخابي يفرض التعامل مع النتائج المعلنة، مشيرا إلى أن التجربة الديمقراطية المغربية لا تمنح حزبا كل شيء ولا تحرمه من كل شيء.
وتكشف هذه التصريحات عن محاولة من قيادة العدالة والتنمية لتقديم النتيجة الانتخابية الأخيرة باعتبارها نقطة انطلاق لإعادة بناء الحزب، بدل اختزال مساره في خسارة 2021، مع استمرار إثارة أسئلة بشأن حدود التمثيل الانتخابي ودور العوامل السياسية والتنظيمية في تشكيل النتائج.
هجوم غير مسبوق على الأصالة والمعاصرة.. واستدعاء تاريخ الاتحاد والترقي
وشكل حزب الأصالة والمعاصرة المحور الأكثر حدة في مداخلة بنكيران، إذ أعاد طرح الخلاف التاريخي بين الطرفين، معتبرا أن الحزب نشأ، بحسب قراءته، بهدف إضعاف العدالة والتنمية وإقصائه أو تهميشه داخل المشهد السياسي.
واستحضر بنكيران ظروف تأسيس الحزب سنة 2008، مشيرا إلى تصريحات سابقة لمؤسسه الأول فؤاد عالي الهمة، قال إنها لا تزال مسجلة، واستند إليها للتأكيد على أن العلاقة بين الحزبين اتسمت منذ البداية بالتنافس الحاد.
ولم يتوقف عند حدود الخلاف الحزبي، بل ذهب إلى التحذير من حزب الأصالة والمعاصرة على البلاد والملكية، في تصريح يعكس تصعيدا واضحا في طبيعة المواجهة السياسية بين الطرفين.
وشبه بنكيران الحزب بجمعية الاتحاد والترقي التي ارتبط اسمها بسقوط الخلافة العثمانية، مستحضرا تجربة تاريخية لتدعيم موقفه من المشروع السياسي الذي ينسبه إلى قيادة الحزب. كما اعتبر أن الحزب، رغم التغييرات التي عرفها على مستوى الخطاب والقيادة، لم يقطع، في نظره، مع منطق الإقصاء الذي اتهمه باعتماده في مواجهة العدالة والتنمية.
وتظل هذه المواقف تعبيرا عن قراءة سياسية لبنكيران لطبيعة التنافس الحزبي، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتا لاتهاماته بشأن نيات الحزب أو علاقته بالملكية.
المخدرات والتخوين.. بنكيران يرد على خصومه
وفي محور آخر، تفاعل بنكيران مع اتهامات ربطت حزب العدالة والتنمية بالمخدرات، على خلفية قضية أحد أعضائه بمدينة آسفي، نافيا أن تكون لحزبه علاقة بالاتجار في هذه المواد، ومطالبا منتقديه بتقديم ما يثبت اتهاماتهم.
ووجّه في المقابل انتقادات إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مستحضرا ما قال إنها قضايا تورط فيها أشخاص مرتبطون به، ومتحدثا عن مواقف سابقة للحزب بشأن تقنين زراعة القنب الهندي وتنظيم لقاءات حول الموضوع.
وشدد بنكيران على أن حزبه لا يقبل تحميله مسؤولية أفعال أفراد دون إثبات مسؤولية مؤسساتية، معتبرا أن توظيف ملفات المخدرات في الصراع الحزبي يمثل أسلوبا لتبادل الاتهامات بدل تقديم أدلة واضحة.
وتبقى الاتهامات المتبادلة في هذا الملف منسوبة إلى أصحابها، ولا يجوز اعتبارها أحكاما قضائية أو إثباتا لمسؤولية جماعية لأي حزب، ما لم تسندها قرارات قضائية أو معطيات موثقة.
كما عاد بنكيران إلى الجدل الذي أثارته تصريحاته السابقة بشأن علاقة الأصالة والمعاصرة بإسرائيل، بعد حديث رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن تعرض حزبها للتخوين وربطه بمواقف إسرائيلية.
وأوضح بنكيران أنه لم يقصد، بحسب توضيحه، تخوين المنصوري أو حزبها، وإنما ربط استنتاجاته بما اعتبره دفاعا إسرائيليا عن الحزب. وأضاف أنه توقف عن إثارة الموضوع بعدما نفت المنصوري وجود العلاقة التي تحدث عنها.
ويعكس هذا التوضيح محاولة من بنكيران لإعادة ضبط النقاش الذي أثارته تصريحاته السابقة، وإن كان ذلك لم يمنعه من مواصلة انتقاد قيادة الحزب في ملفات أخرى.
لقجع في مرمى الانتقاد.. «وزير المالية يتحدث عن المالية»
وخصص بنكيران جانبا من مداخلته لانتقاد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، على خلفية مواقف وتصريحات سياسية اعتبر أنها تجاوزت حدود اختصاصه الحكومي.
وخاطب بنكيران لقجع متسائلا عن دوافع دخوله في الردود السياسية على الأحزاب، داعيا إياه إلى التركيز على السياسة المالية للدولة بدلا من الانخراط في سجالات حزبية.
كما استغرب ما اعتبره تخوفا من عودة العدالة والتنمية إلى الواجهة، مشيرا إلى أن الحزب انتقل من المرتبة الثامنة إلى الرابعة في الانتخابات الأخيرة، دون أن يصل إلى الأرقام التي حققها في مرحلة سابقة.
وفي الشق المالي، أبدى بنكيران تحفظات بشأن كيفية تمويل الوعود الاجتماعية التي أعلنتها الحكومة، بما فيها الإجراءات المتعلقة بالمعاشات والدعم المباشر وتحسين القدرة الشرائية.
ورغم إقراره بأهمية هذه التدابير الاجتماعية، حذر من أن يؤدي تنفيذها إلى زيادة الضغط على المالية العمومية، خصوصا إذا اعتمدت على التوسع في المديونية أو على آليات التمويل المبتكر دون ضمان استدامة كلفة الالتزامات المالية.
واستحضر الوضع الاقتصادي الفرنسي للتحذير من مخاطر تراكم الديون، معتبرا أن حماية الاستقلالية المالية للدولة تقتضي التوفيق بين توسيع الدعم الاجتماعي والحفاظ على التوازنات المالية.
ويعيد هذا الموقف فتح النقاش بشأن العلاقة بين الالتزامات الاجتماعية للحكومة والموارد المتاحة لتمويلها، وبين ضرورة تحسين معيشة المواطنين وتجنب تحميل الميزانية أعباء قد تتجاوز قدرتها على التحمل.
الملكية والنخبة الحاكمة.. بنكيران يدعو إلى التمييز بين المؤسسة وتدبير الشأن العام
وفي جانب آخر من كلمته، تناول بنكيران النقاش المرتبط بالملكية وببعض الفيديوهات التي تتضمن انتقادات للنظام السياسي المغربي، معتبرا أن من يهاجمون الملكية ينبغي أن يقدموا بوضوح البديل الذي يدعون إليه.
وشدد في المقابل على ضرورة التمييز بين الملكية باعتبارها مؤسسة ذات رمزية دستورية وتاريخية، وبين النخبة التي تدير الشأن العام والقرارات الحكومية والسياسية.
كما جدد تأكيده على موقف حزبه الداعم للمؤسسة الملكية، معتبرا أن الدفاع عن الملكية لا يتعارض مع انتقاد المسؤولين أو مساءلة السياسات العمومية، وهي نقطة حاول من خلالها رسم حدود ما يعتبره خلافا سياسيا مشروعا وما يراه مساسا بالمؤسسة الملكية.
ويأتي هذا الخطاب في سياق نقاش أوسع بشأن حدود النقد السياسي، والعلاقة بين المؤسسات الدستورية والفاعلين الحزبيين، وكيفية التمييز بين مساءلة النخب الحاكمة والطعن في المؤسسات.
مواجهة سياسية مفتوحة بعد انتخابات شتنبر
تكشف تصريحات بنكيران عن استمرار المواجهة بين العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، في مرحلة أعقبت انتخابات 23 شتنبر 2026 التي أفرزت تحولات في موازين القوى الحزبية.
ففي الوقت الذي يقدم فيه بنكيران نتيجة حزبه باعتبارها بداية لاستعادة موقعه في المشهد السياسي، يوجه انتقادات إلى خصومه بشأن المسؤولية الحكومية وتضارب المصالح والسياسات المالية، ويعيد في الوقت نفسه فتح ملفات الخلاف التاريخي مع الأصالة والمعاصرة.
وتتجاوز هذه المواجهة تبادل الاتهامات الشخصية إلى قضايا تتصل بمفهوم المحاسبة السياسية، وتمويل الالتزامات الاجتماعية، وحدود الخطاب الحزبي، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الدستورية والفاعلين السياسيين.
وبين مطالبة أخنوش بتقديم توضيحات بشأن الملفات التي أثيرت خلال ولايته، والتحذير من المديونية، والتصعيد ضد الأصالة والمعاصرة، يرسم بنكيران ملامح خطاب معارض يسعى إلى استثمار عودة حزبه إلى البرلمان، مع إبقاء الجدل مفتوحا حول طبيعة التنافس السياسي ومستقبل العلاقات بين القوى الحزبية في المرحلة المقبلة.






