قضايا

من حرب الرمال إلى رمال النيجر.. مقامرة القيادة العسكرية الجزائرية تكشف حدود طموحات الهيمنة الإقليمية

تفتح الخطوة الجزائرية الرامية إلى إرسال قوات عسكرية إلى النيجر نقاشا واسعا بشأن حسابات المؤسسة العسكرية في بلد يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متراكمة، في وقت تتجه فيه القيادة العسكرية، بقيادة الفريق أول السعيد شنقريحة، نحو توسيع حضورها خارج الحدود تحت عنوان حماية المصالح الاستراتيجية. غير أن هذا التوجه يطرح أسئلة جوهرية حول أهداف الانتشار، وحدود المهمة، والكلفة المحتملة، ومخاطر الانجرار إلى صراع إقليمي يصعب التحكم في مآلاته.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى السياق المضطرب الذي تعرفه منطقة الساحل، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع تنافس القوى الإقليمية والدولية، وتتغير التحالفات بسرعة. وفي ظل هذه المعطيات، فإن إرسال قوات إلى النيجر لا يمكن اختزاله في تأمين منشآت نفطية أو حماية استثمارات اقتصادية، بل يستدعي توضيح طبيعة المهمة العسكرية، ومدتها، وقواعد الاشتباك، والضمانات التي تحول دون تحول الانتشار المحدود إلى التزام أمني مفتوح.

وتقول المعطيات الواردة بشأن القرار إن حماية المصالح النفطية الجزائرية، خصوصا أنشطة شركة سوناطراك في حقل كفرا شمال النيجر، تشكل أحد مبررات التحرك. لكن تأمين منشأة اقتصادية في منطقة غير مستقرة قد يفرض عمليا حماية طرق الإمداد ومحيط الانتشار، وربما توسيع المهمة عند تعرض القوات لأي هجوم. وهنا تكمن المخاطرة: فالمهمة التي تبدأ محدودة قد تتحول إلى استنزاف عسكري ومالي، من دون ضمان تحقيق المكاسب السياسية التي تراهن عليها القيادة.

ويثير تمرير القرار عبر المؤسسات التشريعية، وفق المعطيات المتداولة عن المصادقة، تساؤلات بشأن مستوى النقاش العمومي حول إرسال الجنود إلى الخارج، وحق الرأي العام في معرفة الأهداف والتكاليف والضمانات. فمثل هذه القرارات لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء يمنح القيادة العسكرية غطاء دستوريا، بل يفترض أن تخضع لمساءلة جدية حول المصالح الوطنية التي تخدمها، والنتائج التي يمكن أن تترتب عنها.

تاريخ من الصدامات وحسابات لم تُغلق

لا يمكن فهم جانب من توجهات المؤسسة العسكرية الجزائرية بمعزل عن تاريخها السياسي والعسكري، خصوصا علاقتها بالمغرب. فقد شكلت حرب الرمال سنة 1963 محطة مبكرة للصدام بين البلدين بعد الاستقلال، في سياق خلافات حدودية مرتبطة بتركة الاستعمار. وأظهرت المواجهة أن الخلافات التي لم تُعالج عبر التفاوض يمكن أن تتحول إلى صدام مسلح يترك آثارا طويلة الأمد على العلاقات الثنائية.

وفي يناير 1976، شهدت منطقة أمغالا مواجهة أخرى في سياق النزاع حول الصحراء، وسط دعم الجزائر لجبهة البوليساريو. وعلى الرغم من اختلاف الروايات بشأن تفاصيل المعركة وحجم الخسائر، فإن تلك المواجهة زادت من تعقيد العلاقات المغربية الجزائرية، وأسهمت في تعميق انعدام الثقة بين الطرفين.

والمشكلة أن إرث هذه الصدامات لم يتحول إلى درس استراتيجي كافٍ يدفع نحو بناء علاقات إقليمية قائمة على التعاون وتدبير الخلافات. فقد ظلت العلاقة بين البلدين رهينة التوتر، وتعطلت فرص التكامل المغاربي، فيما تحملت شعوب المنطقة كلفة سياسية واقتصادية وأمنية كان يمكن تجنب جانب كبير منها عبر الحوار والتعاون.

الجيش وصناعة القرار في الجزائر

من أبرز الإشكالات التي تطرحها التجربة الجزائرية استمرار الثقل السياسي للمؤسسة العسكرية في توجيه الخيارات الاستراتيجية للدولة. فمنذ انقلاب يونيو 1965 الذي أطاح بالرئيس أحمد بن بلة، احتفظ الجيش بموقع مؤثر في هندسة السلطة، واستمر حضوره في المحطات السياسية الكبرى، بما فيها مرحلة الحراك الشعبي سنة 2019 وما أعقبها من تحولات.

ولا يتعلق النقاش هنا بوجود مؤسسة عسكرية قوية، وهو أمر قائم في دول عديدة، بل بحدود تدخلها في القرار السياسي، ومدى خضوع الخيارات الأمنية والعسكرية للمساءلة المدنية والمؤسساتية. فكلما اتسعت القرارات الاستراتيجية من دون نقاش عام كافٍ، ازدادت الحاجة إلى توضيح المسؤوليات، وضمان ألا تتحول المصالح المؤسسية إلى بديل عن المصالح الوطنية الأوسع.

ويطرح هذا الواقع سؤالا أساسيا على القيادة الجزائرية: هل ينبغي توظيف الإمكانات العسكرية لتوسيع مناطق النفوذ، أم توجيه الجهد السياسي نحو تخفيف التوترات الإقليمية، وحماية الاستقرار، وتعزيز التنمية الداخلية؟ إن القوة العسكرية لا تُقاس فقط بقدرة الجيوش على الانتشار، بل أيضا بقدرة الدولة على تجنب الحروب غير الضرورية، وصون مواردها، وتحويل موقعها الجغرافي وإمكاناتها الاقتصادية إلى أدوات للتعاون والاستقرار.

النيجر اختبار لحسابات شنقريحة

إن توسيع الحضور العسكري الجزائري في النيجر، إذا تأكدت تفاصيله وحدوده، قد يضع القيادة أمام اختبار صعب. فالمنطقة ليست ساحة يمكن التحكم فيها بمجرد نشر القوات، بل فضاء تتعدد فيه الجهات المسلحة والمصالح المتنافسة، وتتطلب فيه مواجهة التهديدات تنسيقا إقليميا وتعاونا استخباراتيا وسياسيا يتجاوز الحلول العسكرية المنفردة.

وإذا تحولت مهمة حماية المصالح النفطية إلى مواجهة مستمرة مع جماعات مسلحة، فقد تجد الجزائر نفسها أمام كلفة متزايدة، مع صعوبة تحديد نقطة النهاية للانتشار. كما أن أي توسع غير محسوب في المهمة قد يخلق مخاطر جديدة على الجنود والمنشآت وطرق الإمداد، ويؤثر في علاقات الجزائر مع أطراف إقليمية أخرى.

ولا يعني ذلك أن حماية الاستثمارات الجزائرية في الخارج أمر غير مشروع، بل إن السؤال يتعلق بمدى تناسب الوسائل العسكرية مع الهدف المعلن، ووجود استراتيجية خروج واضحة، وضمانات تحول دون انزلاق المهمة إلى صراع مفتوح.

وفي المقابل، يحتاج استقرار منطقة الساحل إلى مقاربة تتجاوز منطق التنافس على النفوذ، وتقوم على التعاون الأمني واحترام سيادة الدول ودعم التنمية ومعالجة أسباب الهشاشة. أما الرهان على الحضور العسكري وحده، فقد يمنح انطباعا بالقوة في البداية، لكنه لا يضمن نفوذا مستداما ولا يعالج جذور الأزمات.

وفي المحصلة، تقف القيادة العسكرية الجزائرية أمام مسؤولية توضيح حساباتها للرأي العام، وتقديم ما يثبت أن أي انتشار خارج الحدود يخدم مصلحة وطنية محددة، ضمن مهمة واضحة ومحدودة وخاضعة للمساءلة. فالمطلوب ليس تكرار صراعات الماضي أو فتح جبهات جديدة، بل بناء سياسة إقليمية تحمي المصالح الجزائرية من دون تعريض الجنود لاستنزاف غير محسوب، وتمنح شعوب المغرب الكبير والساحل فرصة للخروج من دوامة التوتر والتنافس التي عطلت التنمية والاستقرار لعقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى