سياسة

حكومة المنصوري وغياب الأقاليم الجنوبية.. تفاوت جغرافي يعيد سؤال التمثيلية إلى واجهة القرار السياسي

كشفت الخريطة الجغرافية للحكومة المغربية الجديدة، التي عين الملك محمد السادس أعضاءها يوم الجمعة 16 أكتوبر الجاري برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، عن تفاوت في التوزيع الجهوي للحقائب الوزارية، مقابل غياب لافت للشخصيات المنحدرة من الأقاليم الجنوبية الصحراوية، الممتدة من كلميم إلى الداخلة. وفي الوقت الذي تتصدر فيه بعض جهات المملكة لائحة الحضور داخل الجهاز التنفيذي، تجد الجهات الجنوبية الثلاث نفسها خارج التشكيلة الحكومية، بما يفتح النقاش حول العلاقة بين التمثيلية الجغرافية ومواقع صناعة القرار المركزي.

وتكشف قراءة المسارات الشخصية والمهنية لأعضاء الحكومة، وفق المعطيات المتداولة بشأن انتماءاتهم الجغرافية، عن خريطة غير متوازنة في توزيع الحضور الحكومي بين جهات المملكة الاثنتي عشرة. وهي خريطة لا تختزل بالضرورة في الانتماء الترابي وحده، لكنها تطرح أسئلة سياسية حول مدى انعكاس التنوع الجغرافي للمغرب على تركيبة الجهاز التنفيذي، ومدى حضور النخب القادمة من مختلف الأقاليم في مواقع المسؤولية الحكومية.

وتتصدر جهة فاس مكناس هذا التوزيع بثمانية أعضاء، تليها جهة الرباط سلا القنيطرة بخمسة أعضاء، ثم جهتا الدار البيضاء سطات وطنجة تطوان الحسيمة بأربعة أعضاء لكل منهما. وتحضر جهتا سوس ماسة والشرق بثلاثة أعضاء لكل واحدة، مقابل عضوين لكل من جهتي مراكش آسفي وبني ملال خنيفرة، فيما لا يتجاوز حضور جهة درعة تافيلالت عضوا واحدا.

وفي المقابل، لا تضم التشكيلة، بحسب هذا الرصد، أي عضو حكومي منحدر من جهات كلميم واد نون والعيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب. ويكتسي هذا الغياب أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها قضية الصحراء المغربية في السياسة الوطنية، وما يرافقها من تأكيد رسمي متواصل على التنمية والجهوية المتقدمة ومشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد تفاوت عددي بين الجهات، بل بغياب منطقة ذات خصوصية سياسية واستراتيجية عن تشكيلة الجهاز التنفيذي، في وقت تظل فيه قضية الصحراء في صلب الأولويات الوطنية والدبلوماسية للمملكة.

مفارقة المشاركة الانتخابية والغياب الحكومي

تزداد دلالة هذا التفاوت عند مقارنته بنسب المشاركة الانتخابية المعلنة عقب انتخابات 23 شتنبر 2026. فقد سجلت جهة العيون الساقية الحمراء نسبة مشاركة بلغت 77 في المائة، متقدمة على باقي الجهات، تلتها جهة الداخلة وادي الذهب بنسبة 61 في المائة، ثم جهة كلميم واد نون بنسبة 53.48 في المائة، مقابل معدل وطني بلغ 38.08 في المائة.

وتضع هذه الأرقام مسألة التمثيلية السياسية أمام مفارقة تستحق النقاش: فالمناطق التي سجلت نسب مشاركة مرتفعة في الانتخابات لا يظهر أي منحدر منها ضمن أعضاء الحكومة الجديدة، وفق المعطيات المتاحة.

غير أن المشاركة الانتخابية والتمثيلية الحكومية معياران مختلفان؛ إذ تتأثر الأولى بعوامل سياسية واجتماعية وانتخابية متعددة، بينما ترتبط الثانية بنتائج الانتخابات، ومفاوضات تشكيل الأغلبية، والاختيارات المتعلقة بإسناد الحقائب الوزارية. لذلك لا تكفي هذه الأرقام وحدها لإثبات وجود علاقة سببية بين ارتفاع المشاركة وغياب التمثيل الحكومي، لكنها تبرز سؤالا مشروعا بشأن مدى انعكاس التعبئة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية على حضور نخبها في السلطة التنفيذية.

فالمشاركة السياسية لا تنتهي عند صناديق الاقتراع، كما أن التمثيلية لا تختزل في المناصب الحكومية وحدها. ومع ذلك، يظل حضور الشخصيات القادمة من مختلف المجالات الترابية داخل الحكومة أحد المؤشرات التي تسمح بقراءة مدى اتساع قاعدة النخب المشاركة في تدبير الشأن العام.

تارودانت وبنسليمان وصفرو.. حين تتجاوز التمثيلية حدود الجهة

تتضح الفوارق بصورة أكبر عند الانتقال من مستوى الجهات إلى المدن والأقاليم التي ينحدر منها أعضاء الحكومة. فإقليم تارودانت يحضر بثلاثة أعضاء، هم عبد اللطيف وهبي وخالد حاتيمي وعبد الصمد قيوح، بينما يمثل إقليم بنسليمان عضوان هما كمال الهشومي وصلاح الدين عبقري.

كما يحضر إقليم صفرو بعضوين هما حسن طارق وسمير بلفقيه، فيما تسجل قصبة تادلة حضور ماديحة خيير وعائشة كلاع، وتضم العاصمة الرباط أربعة أعضاء وفق معيار مكان الميلاد.

وتبرز هذه المعطيات أن التمثيلية الجغرافية لا تتوزع بالضرورة بالتساوي بين الأقاليم، وأن بعض المناطق تحظى بحضور متعدد داخل الحكومة، في حين تغيب مناطق أخرى بصورة كاملة. لكن تفسير هذه الفوارق يقتضي التمييز بين مكان الميلاد والأصل العائلي والانتماء الترابي والمسار السياسي، فضلا عن المعايير التي اعتمدت في إعداد هذا الرصد.

كما أن وجود أكثر من وزير من إقليم واحد لا يعني بالضرورة أن ذلك الإقليم يتمتع بامتياز مؤسساتي، مثلما أن غياب أبناء منطقة معينة لا يثبت وحده وجود إقصاء متعمد. غير أن تكرار هذا التفاوت يظل مدخلا مناسبا لطرح سؤال أوسع حول المعايير التي تحكم اختيار الوزراء، ومدى حضور الاعتبارات المرتبطة بالكفاءة والخبرة والتوازنات الحزبية والتمثيلية المجالية في تشكيل الحكومات.

نصف قرن من الاسترجاع.. حضور صحراوي محدود في المناصب الحكومية

يعيد غياب الأقاليم الجنوبية عن الحكومة الجديدة فتح ملف تاريخي يتعلق بحضور النخب الصحراوية في الجهاز التنفيذي منذ سنة 1975، تاريخ استرجاع المغرب الأقاليم التي كانت خاضعة للإدارة الإسبانية.

فخلال العقود الماضية، تولت شخصيات منحدرة من هذه المناطق مسؤوليات حكومية في فترات متباعدة، غير أن هذا الحضور ظل محدودا مقارنة باتساع المجال الزمني الذي يغطيه الرصد، وبالحضور الذي سجلته هذه النخب في المؤسسات المنتخبة والهيئات الاستشارية والتمثيلية.

ومن أبرز هذه الشخصيات خليهن ولد الرشيد، الذي تولى مسؤوليات حكومية ابتداء من سنة 1977، ووصل إلى منصب وزير منتدب مكلف بتنمية الأقاليم الصحراوية. وقد ارتبط مساره السياسي بملف الصحراء، وظل من أبرز الوجوه القادمة من هذه المناطق التي وصلت إلى مستويات متقدمة من المسؤولية الحكومية.

وبعده، تولى أحمد لخريف، المنحدر من السمارة، منصب كاتب دولة لدى وزير الخارجية في حكومة عباس الفاسي سنة 2007، قبل إعفائه في دجنبر 2008 على خلفية حصوله على الجنسية الإسبانية.

كما شغلت امباركة بوعيدة، المنحدرة من كلميم، منصب وزيرة منتدبة لدى وزير الخارجية ابتداء من سنة 2013، قبل أن تتولى مسؤولية كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، ثم تغادر الحكومة سنة 2019 بسبب حالة التنافي المرتبطة برئاسة جهة كلميم واد نون.

أما رقية الدرهم، المنحدرة من العيون، فعينت كاتبة دولة مكلفة بالتجارة الخارجية سنة 2017، وغادرت الحكومة خلال التعديل الوزاري في أكتوبر 2019، لتكون من آخر الشخصيات الصحراوية التي تولت مسؤولية داخل الجهاز التنفيذي، وفق هذا الحصر التاريخي.

وتبرز هذه المسارات أن الحضور الحكومي للشخصيات الأربع لم يصل، بحسب المعطيات الواردة، إلى مستوى تولي وزارة مستقلة بصلاحيات قطاعية كاملة؛ إذ اقتصرت مسؤولياتها على مناصب وزير منتدب أو كاتب دولة، وهي مواقع ترتبط عادة بوزارات أخرى أو باختصاصات محددة داخل الجهاز التنفيذي.

وتكتسب هذه النقطة أهميتها من التمييز بين مجرد الحضور داخل الحكومة وبين تولي حقيبة وزارية مستقلة، بما يرافق ذلك من مسؤولية مباشرة عن قطاع حكومي وميزانيته وسياساته العمومية. ومع ذلك، فإن اختلاف التسميات والصلاحيات بين الحكومات يقتضي قراءة تاريخية دقيقة لكل منصب، دون اختزال التجارب السابقة في الترتيب البروتوكولي وحده.

وبين محدودية عدد الأسماء وتباعد فترات حضورها، يظل السؤال مطروحا بشأن الأسباب التي جعلت التمثيلية الحكومية المباشرة للنخب الصحراوية محدودة طوال هذه المدة، وما إذا كانت الاختيارات الحزبية والحكومية قد أتاحت لهذه النخب فرصا كافية للوصول إلى مواقع القرار التنفيذي المركزي.

الحكم الذاتي.. اختبار التمثيلية بين المركز والجهة

تكتسب هذه المعطيات دلالة سياسية إضافية في ظل تمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي للصحراء تحت سيادته، باعتباره إطارا لتدبير الشؤون المحلية عبر مؤسسات جهوية تنفيذية وتشريعية وقضائية، وفق الاختصاصات التي يتضمنها المقترح.

ويقوم التصور المغربي على تمكين سكان الأقاليم المعنية من إدارة شؤونهم المحلية في إطار السيادة الوطنية، بما يجعل التمثيلية المؤسساتية والمشاركة في تدبير الشأن العام عنصرين أساسيين في النقاش المتعلق بمستقبل المنطقة.

لكن التشكيلة الحكومية الجديدة تطرح مفارقة تستحق التوقف عندها: ففي الوقت الذي يقدم فيه المغرب الحكم الذاتي باعتباره تصورا لتوسيع التدبير المحلي وتعزيز مشاركة السكان في إدارة شؤونهم، لا تضم الحكومة المركزية، وفق الرصد المعتمد، أي شخصية منحدرة من الجهات الجنوبية الثلاث.

ولا يعني هذا التباين أن التمثيلية في الحكومة المركزية هي المعيار الوحيد للحكم على مشروع الحكم الذاتي، إذ إن هذا المشروع يقوم أساسا على تصور مؤسساتي جهوي، كما أن تشكيل الحكومة المركزية يخضع لاعتبارات دستورية وانتخابية وحزبية مختلفة. غير أن الغياب الكامل للنخب الصحراوية يظل معطى سياسيا يفتح النقاش حول مدى انفتاح مراكز القرار الوطني على الكفاءات القادمة من هذه الأقاليم.

كما أن انتظار تسوية سياسية تتيح الانتقال من مقترح الحكم الذاتي إلى مرحلة التنفيذ لا يلغي أهمية النقاش الداخلي بشأن المشاركة والتمثيل، لأن حضور النخب المحلية في المؤسسات الوطنية يظل مسألة قائمة بذاتها، بصرف النظر عن المسار الذي ستتخذه المفاوضات المتعلقة بمستقبل الصحراء.

بين التوازن الجغرافي والاختيارات السياسية.. سؤال مفتوح أمام الحكومة الجديدة

لا يمكن اختزال تشكيلة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في خريطة انتماءات جغرافية، كما لا يمكن اعتبار مكان الميلاد وحده معيارا كافيا للحكم على عدالة التمثيلية أو اختلالها. فالحكومة تتشكل في سياق سياسي تحكمه نتائج الانتخابات ومفاوضات الأغلبية والاختيارات المرتبطة بالخبرة والكفاءة والتخصص.

لكن هذه الاعتبارات لا تلغي أهمية التنوع الجغرافي في تركيبة الجهاز التنفيذي، ولا تعفي من مساءلة الخيارات التي تفضي إلى حضور متعدد لبعض الأقاليم وغياب كامل لأخرى. فالمغرب، بما يضم من جهات وتنوعات مجالية وتحديات تنموية مختلفة، يحتاج إلى أن تظل أبواب المسؤولية العمومية مفتوحة أمام الكفاءات المنحدرة من مختلف مناطقه، وفق معايير واضحة وموضوعية.

ومن هنا، فإن غياب الأقاليم الجنوبية عن الحكومة الجديدة لا يمثل مجرد تفصيل في توزيع الحقائب، بل يطرح سؤالا حول العلاقة بين المشاركة الانتخابية والتمثيلية الحكومية، وبين الخطاب المتعلق بالجهوية وممارسة السلطة على المستوى المركزي.

والسؤال الذي تتركه هذه التشكيلة مفتوحا ليس ما إذا كان ينبغي تخصيص حقيبة وزارية لكل جهة، وإنما كيف يمكن ضمان أن تعكس الحكومة، في اختياراتها وتوازناتها، تعددية المغرب الجغرافية والبشرية، وأن تتيح للنخب المؤهلة من مختلف الأقاليم فرصا متكافئة للوصول إلى مواقع المسؤولية.

ذلك أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على تدبير التوازنات السياسية، بل أيضا بمدى انفتاحها على مختلف الكفاءات الوطنية، وبقدرتها على تحويل المشاركة السياسية إلى إحساس فعلي بالشراكة في القرار. وفي هذا الإطار، تظل خريطة حكومة المنصوري مناسبة لإعادة طرح سؤال التمثيلية الجغرافية، لا بوصفه مطلبا حسابيا لتوزيع المناصب، بل باعتباره جزءا من النقاش الأوسع حول الإنصاف المجالي، والجهوية المتقدمة، ومشاركة النخب المحلية في تدبير الشأن العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى