قضايا

تأخر أجور مستخدمي المستشفى الجامعي بفاس يضع المجموعة الصحية الترابية أمام اختبار التدبير.. هل كشفت المرحلة الانتقالية اختلالات إدارية ومالية؟

يتواصل الجدل داخل المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، على خلفية تأخر صرف الأجور الشهرية لفئة من المستخدمين، في ملف بات يثير استياءً متزايداً داخل المؤسسة، ويفتح النقاش بشأن مدى جاهزية المنظومة الإدارية والمالية لمواكبة التحول الذي يشهده القطاع الصحي العمومي بجهة فاس–مكناس، عقب دخول المجموعة الصحية الترابية حيز الممارسة الفعلية مطلع شتنبر الماضي.

وبحسب ما أوردته جريدة «آشكاين» في تقرير منشور مساء الاثنين 12 أكتوبر الجاري، نقلاً عن مصادر نقابية، فإن عدداً من مستخدمي المركز لم يتوصلوا بأجورهم الشهرية، رغم توجيه شكايات إلى الإدارة منذ الأسبوع الماضي، في وقت تحدثت فيه المصادر نفسها عن استعداد المعنيين للجوء إلى القضاء الاستعجالي إذا استمر التأخر خلال هذا الأسبوع. وأفادت الرواية المنشورة بأن الإدارة أرجعت المشكل إلى أسباب تقنية ومالية وإدارية، من دون تقديم توضيحات تفصيلية بشأن طبيعته أو تحديد موعد دقيق لتسويته.

ولا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المنشورة، بتأخر شمل جميع العاملين بالمؤسسة، وهو ما يجعل تحديد الفئة المعنية وطبيعة وضعيتها الإدارية والمالية خطوة أساسية لفهم أسباب الخلل. كما أن استمرار التأخر، حتى وإن تعلق بجزء من المستخدمين، يضع الإدارة أمام ضرورة التواصل الواضح مع المعنيين، لأن الأجر ليس مجرد إجراء محاسباتي، بل مورد معيشي أساسي يرتبط بالتزامات الأسر ومصاريفها اليومية.

هل ترتبط الأزمة بإحداث المجموعة الصحية الترابية؟

يكتسب الملف أهمية إضافية بالنظر إلى توقيته؛ فالمجموعة الصحية الترابية فاس–مكناس دخلت حيز الممارسة الفعلية لاختصاصاتها في فاتح شتنبر 2026، بعد انعقاد أول مجلس لإدارتها في 9 يونيو الماضي برئاسة رئيس الحكومة. ويقوم هذا الإصلاح على جمع المؤسسات الصحية العمومية بالجهة ضمن إطار مؤسساتي موحد، يشمل مؤسسات الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات الإقليمية والجهوية والمركز الاستشفائي الجامعي، بهدف تحسين التنسيق والتدبير وتوزيع الموارد البشرية والمادية.

لكن تزامن تأخر الأجور مع انطلاق هذا التحول لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين الأمرين. فالمعطيات المنشورة إلى حدود الآن لا تتضمن وثيقة إدارية أو مالية تؤكد أن نقل تدبير الموارد البشرية إلى المجموعة الصحية الترابية هو السبب المباشر في تعثر صرف أجور المستخدمين المعنيين.

وتظل الفرضية المرتبطة بالمرحلة الانتقالية مطروحة للنقاش، خصوصاً أن الانتقال إلى نموذج جديد للتدبير يستلزم التنسيق بين المصالح الإدارية والمالية والجهات المكلفة بمعالجة الأجور. غير أن تأكيد هذه الفرضية يقتضي الكشف عن طبيعة الخلل الذي تحدثت عنه الإدارة، وما إذا كان مرتبطاً بمعالجة ملفات الأجور أو مطابقة المعطيات الإدارية أو وضعيات بعض المستخدمين أو بإجراء آخر. وفي غياب هذه التفاصيل، فإن تحميل المجموعة الصحية الترابية المسؤولية المباشرة يبقى استنتاجاً غير مثبت.

ماذا يقول الإطار القانوني بشأن الأجور خلال الانتقال؟

تقدم النصوص الرسمية معطى مهماً في فهم هذا الملف. فالمرسوم رقم 2.25.1045، الصادر في 23 دجنبر 2025 والمنشور بالجريدة الرسمية، حدد انطلاق ممارسة المجموعة الصحية الترابية فاس–مكناس لاختصاصاتها، ونص على النقل التلقائي للفئات المهنية المعنية ابتداءً من تاريخ بدء العمل الفعلي.

وفي المقابل، تنص المادة الثالثة من المرسوم نفسه على استمرار تحمل الميزانية العامة للدولة أجور الموظفين والمستخدمين المشمولين بالمقتضيات القانونية، كما تنص على استمرار معالجة هذه الأجور وصرفها من طرف الخزينة العامة للمملكة، ضماناً لمركزية الأداء خلال هذه المرحلة. ويؤكد الموقع الرسمي للمجموعة الصحية الترابية، في أجوبته عن الأسئلة المتكررة، أن الأجر الثابت لمهنيي الصحة سيظل مضموناً من الميزانية العامة للدولة، وأن صرف الأجور سيتم عن طريق الخزينة العامة.

وتعني هذه المقتضيات أن الانتقال المؤسساتي لم يُصمم، في حد ذاته، ليؤدي إلى انقطاع أجور الفئات المشمولة به. كما أنها تضع مسألة تحديد المسؤولية العملية عن معالجة الملفات المتعثرة في صلب الأسئلة المطروحة: ما الجهة التي رصدت الخلل؟ وأين وقع التعثر؟ وهل جرى تحديد الملفات المتأثرة وأسباب عدم صرف مستحقاتها في موعدها؟

ومن المهم التمييز هنا بين الأجر الثابت الذي تنظم النصوص ضمانه وصرفه، وبين التعويضات أو المستحقات الأخرى التي قد تخضع لترتيبات إدارية أو تنظيمية مختلفة. فالمعطيات المنشورة لا تحدد بدقة ما إذا كان التأخر يخص الأجر الشهري الأساسي وحده أو يشمل عناصر أخرى من المستحقات، الأمر الذي يستدعي توضيحاً رسمياً قبل تعميم أي استنتاج.

مرحلة انتقالية أم خلل في التنسيق؟

إن المرحلة الانتقالية المصاحبة لإصلاح بهذا الحجم تطرح تحديات تتعلق بتوحيد المساطر وتبادل المعطيات بين المؤسسات والمصالح المركزية والجهوية، وضمان استمرار الخدمات الإدارية بالتوازي مع نقل الاختصاصات. غير أن وجود مرحلة انتقالية لا يعني تلقائياً قبول تأخر الأجور أو اعتباره نتيجة حتمية للإصلاح؛ فاستمرارية الأداء المالي تظل من المتطلبات الأساسية لأي انتقال مؤسساتي.

ومن هذه الزاوية، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالإشارة إلى وجود مشكل تقني أو إداري، بل توضيح نطاقه، وعدد المستخدمين المتضررين، والجهة التي تتولى معالجته، والآجال المحددة لتسوية الوضعية. كما أن اقتصار التأخر على فئة دون أخرى يستدعي تفسيراً دقيقاً يوضح ما إذا كانت الملفات المعنية تتقاسم وضعية إدارية واحدة أو تواجه إشكالاً مشتركاً في المعالجة.

وكانت جريدة «كشـ24» قد نشرت، في فاتح أكتوبر الجاري، خبراً عن تعثر صرف رواتب نحو 300 مستخدم بالمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، استناداً إلى مصادرها. ويستدعي تقاطع هذا المعطى مع الشكايات التي أُثيرت مجدداً في 12 أكتوبر توضيح ما إذا كان الأمر يتعلق بالملف نفسه، وما إذا كان عدد المتضررين قد تغير، وما التدابير التي اتُّخذت منذ ظهور المشكلة.

القضاء الاستعجالي يلوح في الأفق

في حال انتقال المستخدمين من الشكايات الإدارية إلى القضاء الاستعجالي، فإن الملف قد يدخل مرحلة جديدة من المطالبة بتسوية المستحقات. غير أن المعطيات المتاحة لا تثبت، إلى حدود تاريخ إعداد هذا المقال، أن دعوى قضائية وُضعت فعلاً؛ إذ يظل الأمر، وفق ما نقلته «آشكاين»، مرتبطاً باستعداد المعنيين للجوء إلى القضاء إذا لم تُصرف الأجور خلال الأسبوع الجاري.

ويظل الحل الإداري السريع، مقروناً بتواصل واضح مع المستخدمين، ضرورياً لتفادي اتساع دائرة الاحتقان داخل مؤسسة استشفائية تؤدي دوراً محورياً في تقديم الخدمات الصحية بالجهة. كما أن حسم الملف لا يقتصر على تحويل المستحقات المتأخرة، بل يقتضي تحديد مصدر الخلل واتخاذ ما يلزم لمنع تكراره.

في المحصلة، يضع تأخر الأجور المجموعة الصحية الترابية والجهات الإدارية والمالية المعنية أمام اختبار عملي لمدى قدرة الإصلاح المؤسساتي على ضمان استمرارية الحقوق والمرافق. أما تحديد ما إذا كانت الأزمة ناجمة عن صعوبات المرحلة الانتقالية أو عن خلل تقني أو مالي محدد، فيبقى رهيناً بتوضيح رسمي مفصل، يحدد المسؤوليات والآجال ويضع حداً للتأويلات التي غذّاها غياب المعطيات الدقيقة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى