اقتصاد

عريضة تسقيف أسعار المحروقات تعود إلى الواجهة.. هل تضع الحكومة المقبلة أمام اختبار القدرة الشرائية؟

بعد استئناف جمع التوقيعات في 8 أكتوبر.. مبادرة مدنية تطالب بسقف لا يتجاوز 10 دراهم للتر وتخفيض الضرائب عند ارتفاع الأسعار الدولية

عادت قضية أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش الوطني، مع إعلان اللجنة المكلفة بالعريضة المدنية المطالبة بتسقيف أسعار الوقود واعتماد ضريبة متحركة استئناف جمع التوقيعات، ابتداء من الخميس 8 أكتوبر 2026، بعد تعليق العملية لأسابيع خلال فترة الانتخابات التشريعية، في خطوة تعيد ملفاً اقتصادياً واجتماعياً ثقيلاً إلى دائرة النقاش بشأن أولويات الحكومة المقبلة ومدى قدرتها على الاستجابة لضغوط القدرة الشرائية.

وحسب ما أوردته جريدة هسبريس في خبر نشرته يوم 8 أكتوبر عند الساعة العاشرة صباحاً، فإن اللجنة تراهن على استكمال العدد المتبقي من التوقيعات للوصول إلى النصاب الذي حددته في أربعة آلاف توقيع، تمهيداً لإحالة العريضة على رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري بعد استكمال تشكيل الحكومة وتنصيبها. وأكدت اللجنة أن تعليق المبادرة خلال المرحلة الانتخابية جاء لتفادي توظيفها سياسياً أو انتخابياً، والحفاظ على طابعها المدني المستقل.

وتكتسي هذه العودة أهمية خاصة لأنها تأتي في مرحلة انتقالية تتشكل خلالها أولويات الحكومة المقبلة، حيث يتقاطع ملف المحروقات مع قضايا النقل والتضخم وكلفة الإنتاج وأسعار المواد الاستهلاكية، وهي ملفات لا تتوقف آثارها عند أصحاب السيارات، بل تمتد إلى الأسر والمهنيين والتجار والفلاحين والمقاولات.

سقف عشرة دراهم للتر.. مطلب يتجاوز أسعار محطات الوقود

تتمثل أبرز مطالب المبادرة في وضع سقف لسعر البيع للعموم لا يتجاوز عشرة دراهم للتر الواحد، إلى جانب اعتماد آلية ضريبية متحركة تسمح بخفض الضرائب الاستهلاكية عندما ترتفع الأسعار في الأسواق الدولية، بما يحد من انتقال التقلبات الخارجية إلى المستهلك المغربي.

ويستند أصحاب العريضة، وفق المعطيات التي نشرتها هسبريس، إلى الفصل الخامس عشر من الدستور والقانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتقديم العرائض إلى السلطات العمومية، كما يستحضرون مقتضيات المادة الرابعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 104.12، التي تتناول إمكان تدخل الحكومة في ظروف استثنائية أو عند حدوث اضطراب واضح في السوق.

غير أن تحديد سقف موحد للأسعار ليس مجرد قرار إداري بسيط؛ فهو يطرح أسئلة بشأن كلفة الاستيراد والتخزين والتوزيع وهوامش التسويق والضرائب المفروضة على المحروقات، فضلاً عن كيفية تعويض أي فارق محتمل بين السعر الذي يطالب به أصحاب المبادرة والكلفة الفعلية للمنتج.

ومن هنا، فإن النقاش الجدي لا ينبغي أن يقتصر على تأييد المطلب أو رفضه، بل يتطلب نشر معطيات دقيقة حول مكونات السعر النهائي، وتحديد ما إذا كان بلوغ عشرة دراهم للتر ممكناً بصورة مستدامة في ظل الظروف الدولية الراهنة، وما الآليات المالية والتنظيمية المطلوبة لتحقيق ذلك دون خلق اختلالات جديدة في السوق.

زيادات أكتوبر تعيد الضغط على الأسر والمهنيين

جاء استئناف جمع التوقيعات بعد تسجيل زيادات جديدة في أسعار المحروقات مطلع أكتوبر الجاري. ووفق الأرقام التي أوردتها هسبريس يوم 8 أكتوبر، ارتفع سعر البنزين الممتاز بنحو 44 سنتيماً للتر، بينما زاد سعر الغازوال بنحو 85 سنتيماً، ليتجاوز سعر اللتر الواحد منه 16 درهماً.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم التحدي الذي يواجه المستهلكين، خصوصاً أن أثر المحروقات لا ينحصر في الفاتورة المباشرة التي يؤديها سائق السيارة عند محطة الوقود، بل يتسرب إلى تكاليف نقل السلع والمواد الغذائية والخدمات، كما يؤثر في مصاريف المقاولات التي تعتمد على النقل والتوزيع ضمن أنشطتها اليومية.

فحين ترتفع كلفة الوقود، يجد بعض المهنيين أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما تحمل جزء من الزيادة على حساب هامش الربح، وإما نقلها إلى المستهلك عبر رفع أسعار الخدمات والمنتجات. وفي الحالتين، تتأثر القدرة الشرائية، خصوصاً لدى الأسر ذات الدخل المحدود التي تخصص قسماً مهماً من ميزانيتها للاحتياجات الأساسية.

لكن العلاقة بين ارتفاع المحروقات والأسعار النهائية ليست آلية أو متطابقة في جميع القطاعات؛ إذ تختلف بحسب طبيعة النشاط وتكاليفه وهوامش الربح والمنافسة. ولذلك، فإن تقييم أثر الأسعار يتطلب أيضاً مراقبة انتقال الزيادات إلى النقل والسلع، بدل الاكتفاء بتتبع أثمان البنزين والغازوال عند محطات الوقود.

الضريبة المتحركة.. تخفيف العبء أم نقل الكلفة إلى الميزانية؟

تقوم فكرة الضريبة المتحركة على تعديل العبء الضريبي بحسب تطور الأسعار الدولية، بما يسمح، من حيث المبدأ، بامتصاص جزء من الارتفاعات عندما تقفز كلفة المحروقات في الأسواق الخارجية. ويقدم أصحاب العريضة هذا المقترح باعتباره أداة لتخفيف الضغط عن المستهلكين، من دون الاقتصار على التدخلات الظرفية التي قد تفقد أثرها مع استمرار ارتفاع الأسعار.

غير أن تطبيق هذا التصور يستوجب تحديد قواعد واضحة: متى يبدأ تخفيض الضريبة؟ وما مقدار التخفيض المرتبط بكل زيادة؟ ومتى يعاد رفعها؟ وكيف ستتم حماية المداخيل العمومية الضرورية لتمويل الخدمات والمرافق الأساسية؟

فأي خفض ضريبي ستكون له كلفة مالية محتملة ينبغي احتسابها ومقارنتها بالفوائد الاجتماعية والاقتصادية المنتظرة. كما أن تسقيف الأسعار، إذا لم يواكبه نظام واضح لمراجعة الكلفة وتعويض الفوارق عند الاقتضاء، قد يخلق ضغوطاً على حلقات الاستيراد والتوزيع أو يؤدي إلى نتائج لا تحقق الهدف المعلن.

ولهذا، فإن مسؤولية الحكومة المقبلة لا تتمثل في التعامل مع المقترح باعتباره شعاراً اجتماعياً فقط، وإنما في إخضاعه لدراسة مالية واقتصادية شفافة، مع نشر السيناريوهات الممكنة وكلفة كل خيار والجهات التي ستتحمل تبعاته.

من التوقيع إلى القرار.. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إيداع العريضة

تراهن اللجنة المشرفة على المبادرة على استكمال التوقيعات المطلوبة، مع السعي إلى تجاوز الحد الذي تعتبره ضرورياً، حتى تعزز حضور مطلبها لدى الحكومة المقبلة. لكن الوصول إلى العدد المحدد لا يعني بالضرورة أن تسقيف الأسعار سيصبح قراراً نافذاً؛ فالعريضة تفتح مساراً للمطالبة والتفاعل المؤسساتي، بينما يظل اتخاذ القرار رهيناً بالشروط القانونية والاختصاصات والإجراءات التي ينظمها القانون.

وتطرح هذه المرحلة سؤالاً أوسع بشأن فعالية آليات المشاركة المواطنة في المغرب: هل تستطيع العرائض تحويل المطالب الاجتماعية إلى ملفات تناقشها المؤسسات وتجيب عنها بوضوح؟ أم أن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من جمع التوقيعات إلى بناء مسار مؤسساتي يفضي إلى رد معلل ومقترحات قابلة للتنفيذ؟

وفي هذا السياق، أثارت اللجنة، وفق ما نقلته صحيفة «تيل كيل» يوم 8 أكتوبر، مسألة استمرار تعطل منصة المشاركة الإلكترونية المخصصة للعرائض والملتمسات، مطالبة الجهات المعنية بإعادة تشغيلها وضمان استمرارية خدماتها وإتاحتها للمواطنين. وإذا استمر هذا التعطل، فإنه يثير أسئلة عملية حول سهولة الولوج إلى أدوات المشاركة الرقمية، ومدى قدرة المواطنين على استعمالها دون عراقيل.

إن فعالية المشاركة المواطنة لا تقاس فقط بعدد التوقيعات التي تجمعها المبادرات، بل أيضاً بوضوح المساطر، وإمكانية التحقق من استيفاء الشروط، واحترام الآجال، وقدرة المؤسسات على تقديم أجوبة معللة بشأن المطالب المقدمة إليها.

الحكومة المقبلة أمام ملف يتطلب أجوبة بالأرقام

مع استئناف جمع التوقيعات، يعود ملف المحروقات إلى جدول النقاش في لحظة تتزايد فيها انتظارات المواطنين من الحكومة المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بالأسعار والأجور والنقل والخدمات الاجتماعية. ويمنح هذا التوقيت المبادرة فرصة لطرح مطلبها أمام السلطة التنفيذية الجديدة، لكنه يضعها أيضاً أمام ضرورة تقديم تصور واضح ومقنع بشأن كيفية تنفيذ المقترحات التي تدافع عنها.

ومن المنتظر أن يكون التحدي الأساسي أمام أي مقاربة حكومية هو الجمع بين حماية القدرة الشرائية واستقرار التموين وشفافية التسعير والتوازنات المالية، مع توفير معطيات منتظمة تتيح للمواطن معرفة مكونات السعر والتغيرات التي تطرأ عليه وأسبابها.

كما أن معالجة الملف لن تكون مكتملة إذا اقتصرت على أسعار محطات الوقود، من دون النظر إلى انعكاساتها على النقل العمومي والمهني وأسعار السلع والخدمات، أو إذا غابت عنها المنافسة الفعلية والرقابة على الأسواق.

في المحصلة، تمثل عريضة تسقيف أسعار المحروقات اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة المبادرات المدنية على تحويل المطالب إلى مسار مؤسساتي واضح، واختباراً لاستعداد الحكومة المقبلة للتعامل مع ملف القدرة الشرائية بمنطق الأرقام والقرارات القابلة للتقييم، لا بالاكتفاء بالوعود العامة.

فالمواطن الذي يواجه كلفة الوقود يومياً لا ينتظر فقط معرفة ما إذا كانت العريضة ستبلغ العدد المطلوب من التوقيعات، بل يريد أن يعرف ما الخيارات المتاحة فعلياً، وما كلفة كل خيار، ومن سيتحملها، ومتى يمكن أن تظهر نتائج ملموسة على ميزانيته اليومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى