صحة

طلبة الطب بالمغرب أمام صعود الذكاء الاصطناعي.. قبول واسع للتقنية وتحذير من مخاطرها على التكوين والقرار الطبي

كشفت دراسة علمية حديثة شملت طلبة من تسع كليات طب عمومية بالمغرب عن مفارقة لافتة في نظرة الجيل الجديد من الأطباء إلى الذكاء الاصطناعي؛ فبينما يبدي الطلبة انفتاحاً واضحاً على استخدام هذه التكنولوجيا في البحث عن المعلومات والتوثيق ومتابعة المرضى وتخفيف أعباء العمل، فإن الغالبية ترفض أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن الطبيب أو أن تمنح له صلاحية اتخاذ القرارات الطبية الحاسمة.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي أصبحت متاحة للطلبة بضغطة زر، سواء لإنجاز البحوث والملخصات أو البحث عن المعلومات أو صياغة الأجوبة وحتى إعداد الأعمال الأكاديمية، وهو ما يفتح في المقابل نقاشاً متزايداً حول مخاطر الاعتماد المفرط على هذه الأدوات، خصوصاً بالنسبة إلى طلبة الطب الذين يفترض أن يبنوا معارفهم ومهاراتهم السريرية على الفهم والتدريب والممارسة وليس على الاستعانة الدائمة بإجابات جاهزة.

الدراسة، التي نشرت حديثاً في مجلة «فرونتيرز إن إديوكيشن»، شملت 310 طلبة يدرسون بكليات الطب في مراكش وفاس والرباط والدار البيضاء وطنجة وأكادير ووجدة والعيون والرشيدية، وامتدت مستويات المشاركين من السنوات الأولى إلى مرحلة انتظار مناقشة الأطروحة.

وبلغ متوسط أعمار المشاركين 22.4 سنة، وشكلت الإناث 60.6 في المائة من العينة، وركز البحث على معرفة الطلبة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، ومدى استعدادهم لاستخدامها، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بالخصوصية والأخلاقيات والعلاقة بين الطبيب والمريض.

الذكاء الاصطناعي يدخل الطب من بوابة المساعدة

أظهرت النتائج أن 87.4 في المائة من الطلبة مستعدون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مهام التوثيق الطبي، فيما أبدى 64.2 في المائة استعدادهم للاستعانة به في جمع التاريخ المرضي، و61.3 في المائة في متابعة المرضى.

وتكشف هذه الأرقام أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُنظر إليه من طرف الطلبة باعتباره أداة يمكن أن تساعد الطبيب في الوصول إلى المعلومات وتنظيمها وتسريع بعض العمليات، وليس بالضرورة باعتباره منافساً للمهنة الطبية.

لكن الصورة تتغير بشكل كبير عندما يتعلق الأمر بالقرار السريري.

فلم يوافق سوى 13.5 في المائة من المشاركين على إسناد التشخيص واتخاذ القرار الطبي إلى الذكاء الاصطناعي، بينما لم تتجاوز نسبة القبول باستخدامه في وصف الأدوية 20.3 في المائة.

وفي المقابل، رفض 83.5 في المائة فكرة أن يكون الذكاء الاصطناعي قادراً على تعويض الطبيب، بينما رأى 91 في المائة أنه يمكن أن يسهل الوصول إلى المعرفة الطبية، واعتبر 89 في المائة أنه قادر على تخفيف عبء العمل.

وهنا تبرز الرسالة الأساسية للدراسة: الطلبة يقبلون الذكاء الاصطناعي عندما يكون مساعداً للطبيب، لكنهم يتحفظون عليه عندما يصبح صاحب القرار.

الخطر لا يكمن في التكنولوجيا وحدها

غير أن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيعوض الطبيب أم لا، لأن أحد أكبر التحديات قد يكون في مكان آخر: تأثير الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في تكوين الطبيب نفسه.

فالطالب الذي يستخدم أداة ذكية باستمرار لإعداد البحوث، وتلخيص المراجع، والإجابة عن الأسئلة، وصياغة الأعمال، قد يحصل على نتائج سريعة، لكنه قد يخسر تدريجياً جزءاً من المهارات التي يفترض أن يبنيها خلال سنوات التكوين، مثل البحث المستقل، والتحليل النقدي، وربط المعارف، والتحقق من المصادر، والقدرة على صياغة فرضياته والوصول إلى الاستنتاج بنفسه.

وتزداد حساسية هذا الأمر في دراسة الطب تحديداً، لأن المعرفة الطبية ليست مجرد معلومات يمكن استرجاعها من محرك بحث أو نموذج للذكاء الاصطناعي، وإنما هي أيضاً قدرة على الملاحظة والفحص السريري والاستنتاج وربط الأعراض بالمعطيات واتخاذ القرار في ظروف قد تكون معقدة.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يقترح إجابة، لكنه لا يتحمل المسؤولية المهنية والأخلاقية عن الطبيب أمام المريض.

المعرفة بالذكاء الاصطناعي ما تزال محدودة

المفارقة الأخرى التي كشفتها الدراسة أن 15.6 في المائة فقط من الطلبة المشاركين قالوا إن لديهم معرفة كافية أو واسعة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

وهذا الرقم يطرح سؤالاً مهماً حول سرعة دخول التكنولوجيا إلى الجامعة مقارنة بسرعة إدماجها في المناهج والتكوين الأكاديمي.

فالطلبة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل، لكن جزءاً كبيراً منهم قد لا يكون تلقى تكويناً منهجياً حول كيفية تقييم الإجابات التي تقدمها هذه الأدوات، أو كيفية اكتشاف المعلومات الخاطئة، أو التعامل مع الهلوسة الرقمية، أو حماية البيانات الحساسة، أو احترام قواعد النزاهة الأكاديمية.

وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكالات بالنسبة إلى الجامعات: أن يصبح الطالب مستخدماً للذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح مؤهلاً لفهم حدوده.

مخاوف من الخصوصية ومن فقدان البعد الإنساني

أبدى 63 في المائة من الطلبة تخوفهم من تأثير إدماج الذكاء الاصطناعي في الجانب الإنساني للممارسة الطبية، بينما اعتبر 53 في المائة أن استخدامه في تخزين التاريخ الطبي والوصول إليه قد يزيد مخاطر المساس بخصوصية المرضى مقارنة بالوسائل التقليدية.

كما رأى 82 في المائة أن توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة يمكن أن يثير قضايا أخلاقية جديدة، في حين لم يتجاوز عدد الذين يرون أن تطبيقه على نطاق واسع ممكن في السياق المغربي نسبة 38 في المائة.

وتكشف هذه الأرقام أن الطلبة أنفسهم يدركون أن التكنولوجيا لا تأتي فقط بمزاياها، وإنما تحمل معها أسئلة مرتبطة بالبيانات الطبية، وسرية المعلومات، والمسؤولية عن الأخطاء، وطبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض.

فإذا قدم نظام للذكاء الاصطناعي توصية خاطئة، فمن يتحمل المسؤولية؟ الطبيب؟ المؤسسة الصحية؟ الشركة المطورة؟ أم الجهة التي اعتمدت النظام؟

هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت جزءاً من النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصحة.

ستة من كل عشرة يريدون تعلم الذكاء الاصطناعي

في المقابل، لا يعارض الطلبة إدماج التكنولوجيا في تكوينهم، بل إن 60.1 في المائة منهم أيدوا إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن برنامج دراسة الطب، وكان 37.7 في المائة مؤيدين لذلك بشدة.

وجاءت الندوات في مقدمة صيغ التكوين المفضلة بنسبة 64.2 في المائة، تلتها الوحدات التعليمية عبر الإنترنت بنسبة 53.7 في المائة، إلى جانب اهتمام بالورشات التطبيقية.

وهذا يعني أن المشكلة بالنسبة إلى الطلبة ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، وإنما في كيفية استخدامه.

فالجامعة مطالبة اليوم بتعليم الطالب ليس فقط كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي، وإنما متى يستخدمه، ومتى لا يستخدمه، وكيف يتحقق من نتائجه، وكيف يحمي البيانات، وكيف يحافظ على استقلالية تفكيره.

خطر جديد على الجامعة: طالب يعرف كيف يسأل ولا يعرف كيف يفكر

أمام الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، تبرز إشكالية تربوية تتجاوز الطب إلى مختلف التخصصات الجامعية.

فالطالب يستطيع اليوم الحصول خلال ثوان على ملخص لمقال علمي، أو بحث، أو إجابة عن سؤال معقد، بل وحتى مشروع متكامل، لكن سهولة الحصول على الإجابة قد تؤدي إلى إضعاف الحاجة إلى بذل الجهد الذهني الذي كان جزءاً أساسياً من عملية التعلم.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس أن يستخدم الطالب الذكاء الاصطناعي، وإنما أن يستخدمه بدلاً من أن يتعلم.

وإذا تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لإنجاز الواجبات والبحوث والامتحانات دون رقابة أو تأطير، فقد تصبح الشهادة الجامعية في بعض الحالات غير قادرة على التعبير بدقة عن مستوى المهارات الحقيقية لصاحبها.

وبالنسبة إلى الطب، فإن هذا الخطر أكثر حساسية، لأن الفجوة بين المعرفة النظرية والقدرة الفعلية على ممارسة الطب قد تكون لها نتائج مباشرة على المريض.

الجامعة أمام مرحلة جديدة

نتائج الدراسة تضع الجامعات المغربية أمام واقع جديد لا يمكن تجاهله. فالذكاء الاصطناعي دخل فعلاً إلى الحياة الأكاديمية، ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان سيصل إلى الطلبة، وإنما كيف ستتعامل المؤسسات الجامعية معه.

المطلوب ليس منع الطلبة من استخدام التكنولوجيا، لأن ذلك سيكون صعباً في عصر أصبحت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية، وإنما وضع قواعد واضحة للاستخدام الأكاديمي، وإدماج مهارات الذكاء الاصطناعي في التكوين، وتعليم الطلبة التحقق من المعلومات، وتعزيز التفكير النقدي، وحماية البيانات الشخصية والطبية، ووضع حدود واضحة بين المساعدة التقنية والغش الأكاديمي.

كما أن تكوين الأساتذة والباحثين في هذا المجال أصبح ضرورة موازية، لأن الجامعة لا تستطيع تأطير استخدام أداة لا يعرف جزء من مستخدميها حدودها التقنية والأخلاقية.

إن الدراسة المغربية لا تقول إن طلبة الطب يرفضون الذكاء الاصطناعي، بل تكشف العكس تماماً: هناك قبول واسع له عندما يساعد الطبيب، مقابل رفض واضح لمنحه سلطة القرار.

لكن الرسالة الأعمق التي تفرض نفسها على الجامعة المغربية هي أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبقى أداة في يد الطالب والطبيب، لا أن يتحول إلى عقل بديل عنهما.

والرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون في إنتاج طالب يجيد استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما في تكوين طبيب يستطيع الاستفادة منها دون أن يفقد القدرة على التفكير والتحليل والتحقق واتخاذ القرار الإنساني المسؤول.

وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة اعتمدت مشاركة تطوعية، ولم تتوفر للباحثين بيانات حديثة تسمح ببناء عينة تمثيلية مسبقاً، ولذلك تعكس النتائج اتجاهات المشاركين في البحث ولا يمكن تعميمها تلقائياً على جميع طلبة الطب في المغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى