صفقات بمليارات الدراهم تعزز نفوذ SGTM وTGCC في أوراش المغرب الكبرى

تدخل سوق الأشغال الكبرى في المغرب مرحلة استثنائية، مدفوعة بحجم غير مسبوق من الاستثمارات الموجهة إلى البنيات التحتية والمطارات والملاعب والطرق والسكك الحديدية والسدود والمستشفيات، غير أن هذا الزخم الاستثماري يكشف في الوقت نفسه عن تركّز متزايد للصفقات ذات القيمة المرتفعة لدى عدد محدود من المجموعات الوطنية الكبرى.
وفي مقدمة المستفيدين من هذه الدينامية تبرز مجموعتا SGTM وTGCC، اللتان راكمتا خلال السنوات الأخيرة قدرات مالية وتقنية ولوجستيكية ومراجع تنفيذية تؤهلهما للمنافسة على المشاريع الأكثر تعقيداً وقيمة.
وتكشف أرقام سجل الطلبيات عن حجم هذا التحول؛ فقد أنهت SGTM سنة 2025 بسجل طلبيات بلغ 35.1 مليار درهم، قبل أن يستقر في حدود 34.8 مليار درهم عند نهاية يونيو 2026. أما TGCC، فانتقلت من سجل طلبيات بقيمة 25.57 مليار درهم في نهاية 2025 إلى نحو 28.4 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026.
وبذلك يتجاوز مجموع الطلبيات المتراكمة لدى المجموعتين 63 مليار درهم، في مؤشر يعكس الوزن الذي أصبحتا تمثلانه داخل سوق الأشغال العمومية والبنيات التحتية، خصوصاً في ظل المشاريع الكبرى المرتبطة بتحديث المدن والمطارات والسكك الحديدية والمنشآت الرياضية والمائية والصحية استعداداً للاستحقاقات الوطنية والدولية المقبلة.
ولا ترتبط قوة المجموعتين فقط بحجم الصفقات التي فازتا بها، وإنما أيضاً بقدرتهما على تعبئة التمويل والموارد البشرية والمعدات والضمانات البنكية الضرورية للانخراط في أوراش ضخمة تتطلب إمكانات تقنية ولوجستيكية كبيرة وآجالاً دقيقة للتنفيذ.
وقد عززت TGCC موقعها في هذا المجال بعد إدماج STAM-VIAS، الأمر الذي وسع نطاق حضورها في الطرق والسدود والأشغال المائية والهندسة المدنية، وجعل المجموعة أكثر قدرة على المنافسة في مشاريع البنيات التحتية الثقيلة، إلى جانب نشاطها التقليدي في البناء.
وتكشف النتائج المالية للمجموعتين حجم القوة التي راكمتاها؛ فقد حققت SGTM خلال سنة 2025 رقم معاملات موحداً بلغ حوالي 15.2 مليار درهم، بارتفاع نسبته 36.6 في المائة، فيما بلغت نتيجتها الصافية الموحدة نحو 1.342 مليار درهم.
أما TGCC، فسجلت خلال السنة نفسها منتجات استغلال موحدة في حدود 12.382 مليار درهم، بينما بلغت النتيجة الصافية لحصة المجموعة حوالي 952 مليون درهم.
هذه الأرقام لا تعكس فقط الأداء المالي، وإنما تمنح المجموعتين قدرة أكبر على الدخول في أوراش جديدة، وتحمل تكاليف الانطلاق، وتعبئة المعدات والعمال والمواد قبل بدء التدفقات المالية المرتبطة بالمشاريع.
وفي النصف الأول من 2026، رفعت SGTM استثماراتها إلى حوالي 377 مليون درهم، بينما بلغ صافي مديونيتها نحو 2.4 مليار درهم، في وقت سجلت TGCC بدورها صافي مديونية في حدود 2.08 مليار درهم، في سياق ارتفاع حاجيات رأس المال العامل المرتبطة بتوسع نشاطها ودخول أوراش جديدة مرحلة التنفيذ.
وتكشف هذه المعطيات أحد أهم عناصر المنافسة في سوق الصفقات الكبرى، إذ لم يعد الفوز بالمشروع مرتبطاً فقط بالخبرة التقنية، بل أصبح مرتبطاً كذلك بالقدرة على تمويل انطلاقة الورش، وتوفير المعدات والأطر واليد العاملة، وتقديم الضمانات المطلوبة، وتحمل الفاصل الزمني بين بداية الأشغال ووصول مستحقاتها المالية.
في المقابل، تواجه المقاولات الوطنية الصغيرة والمتوسطة صعوبات أكبر في الوصول مباشرة إلى المشاريع العملاقة، بسبب شروط التأهيل والتصنيف والمراجع التقنية والقدرة التمويلية.
وتظل هذه الشروط مرتبطة بمنطق ضمان قدرة الشركة الفائزة على تنفيذ مشاريع استراتيجية في الآجال وبالمواصفات المطلوبة، غير أن نتيجتها العملية هي تضييق دائرة المنافسة كلما ارتفعت قيمة الصفقة وتعقدت طبيعتها.
وتواجه المقاولة الصغيرة معادلة صعبة؛ فهي تحتاج إلى مشاريع أكبر لبناء مراجع تقنية ورفع قدراتها المالية، لكنها تجد صعوبة في الحصول على هذه المشاريع لأنها لا تتوفر أصلاً على المراجع والحجم المالي المطلوبين.
وفي هذا السياق، يطرح توسع المجموعات الكبرى سؤالاً أوسع حول كيفية استفادة النسيج المقاولاتي الوطني من الطفرة الحالية في الاستثمار العمومي.
فالصفقات الكبرى تخلق فرصاً مباشرة وغير مباشرة للمقاولات المتوسطة والصغيرة، سواء عبر المناولة أو توريد المواد والخدمات أو تنفيذ أجزاء من المشاريع، غير أن الانتقال من موقع المناول إلى موقع المتعهد الرئيسي يظل مساراً أكثر تعقيداً ويحتاج إلى تراكم طويل في الخبرة والتمويل والمعدات والموارد البشرية.
وتحاول منظومة الصفقات العمومية بدورها توفير مساحة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، إذ ينص الإطار التنظيمي على تخصيص نسبة 30 في المائة من المبلغ التقديري للصفقات المزمع إطلاقها خلال السنة المالية، بصورة إجمالية، لفائدة المقاولات الوطنية الصغيرة والمتوسطة، بما فيها المقاولات المبتكرة الشابة، إضافة إلى التعاونيات واتحاداتها والمقاولين الذاتيين.
غير أن هذه الحصة لا تعني بالضرورة أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة ستنافس المجموعات الكبرى مباشرة على المشاريع العملاقة نفسها، لأن طبيعة المشاريع وقيمتها وشروطها التقنية والمالية تظل عاملاً حاسماً في تحديد دائرة الشركات القادرة على المشاركة.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب المغرب من مرحلة استثمارية واسعة مرتبطة بمشاريع البنية التحتية والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، وما يرافق ذلك من أوراش في النقل والطرق والسكك الحديدية والمطارات والمنشآت الرياضية والمائية والصحية والحضرية.
وفي الوقت الذي تمنح فيه هذه المشاريع للمجموعات المغربية الكبرى فرصة لتعزيز خبرتها ومراجعها وقدرتها على المنافسة خارج المملكة، فإنها تضع الدولة والقطاع الخاص أمام تحدي توسيع قاعدة المستفيدين من هذه الدينامية، حتى لا تظل القيمة الاقتصادية للأوراش الكبرى مركزة في عدد محدود من الفاعلين.
وبالنسبة إلى SGTM وTGCC، فإن ارتفاع سجلي الطلبيات إلى أكثر من 63 مليار درهم مع نهاية النصف الأول من 2026 يعكس بوضوح حجم المكانة التي باتت تحتلانها في سوق الأشغال الكبرى.
أما بالنسبة لبقية النسيج المقاولاتي، فإن التحدي المطروح خلال السنوات المقبلة يتمثل في الاستفادة من دورة الاستثمار الحالية لبناء مقاولات متوسطة قادرة على الانتقال تدريجياً إلى مستويات أعلى من المنافسة، وتطوير قدراتها التقنية والمالية، وتحويل الطفرة الحالية في المشاريع العمومية إلى فرصة لإعادة تشكيل خريطة قطاع البناء والأشغال العمومية بالمغرب.






