قبل انتخابات 2026.. المغاربة يوجهون صفعة مدوية للأحزاب والمنتخبين: الوعود تُنسى والثقة تتبخر والعزوف يهدد صناديق الاقتراع

على بعد أشهر قليلة من الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، دقت دراسة ميدانية واسعة النطاق ناقوس الخطر بشأن مستقبل المشاركة السياسية بالمغرب، بعدما كشفت عن أزمة ثقة غير مسبوقة بين المواطنين والأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات الشارع المغربي.
الدراسة التي أنجزتها جمعية “المواطنون” وشملت ما يقارب ثلاثة آلاف مشارك من مختلف جهات المملكة، رسمت صورة قاتمة عن واقع العمل السياسي، وأظهرت أن أغلبية المغاربة لم تعد ترى في الأحزاب السياسية قوة قادرة على الدفاع عن مصالحهم أو حل مشاكلهم اليومية، بل تعتبرها مؤسسات تنشط خلال المواسم الانتخابية قبل أن تختفي عن المشهد بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
9 مغاربة من أصل 10 لا يثقون في المنتخبين
أخطر ما كشفته الدراسة يتمثل في أن أكثر من 90 في المائة من المستجوبين يعتقدون أن المنتخبين لا يحترمون الوعود التي يقطعونها على أنفسهم خلال الحملات الانتخابية، وهو رقم صادم يعكس حجم الشرخ القائم بين المواطن والطبقة السياسية.
فبالنسبة لقطاع واسع من المغاربة، تحولت البرامج الانتخابية إلى مجرد شعارات موسمية، بينما ظل الواقع اليومي للمواطنين بعيداً عن التغيير الموعود، سواء في ما يتعلق بالتشغيل أو التعليم أو الصحة أو التنمية المحلية.
وتعكس هذه النتيجة حكماً شعبياً قاسياً على سنوات طويلة من الممارسة السياسية التي لم تنجح في إقناع جزء كبير من المواطنين بأن أصواتهم تحدث فرقاً حقيقياً في صناعة القرار.
الأحزاب في قفص الاتهام
لم تتوقف الانتقادات عند المنتخبين فقط، بل امتدت إلى الأحزاب السياسية التي تواجه واحدة من أصعب أزماتها منذ سنوات.
فأكثر من 88 في المائة من المشاركين أكدوا أن الأحزاب لا تهتم فعلياً بمشاكل المواطنين ولا تنخرط بشكل جدي في معالجة القضايا اليومية التي تؤرق الأسر المغربية.
الأخطر من ذلك أن حوالي 80 في المائة من المستجوبين أكدوا أنهم لا تربطهم أي علاقة بالأحزاب السياسية، وهو ما يكشف حجم الانفصال الحاصل بين التنظيمات الحزبية والمجتمع.
أما التواصل الحزبي، فقد تعرض بدوره لانتقادات لاذعة، حيث اعتبر أغلب المشاركين أن الخطاب السياسي التقليدي لم يعد قادراً على الوصول إلى المواطنين أو إقناعهم، خاصة في ظل التحولات الرقمية الكبرى التي يشهدها المجتمع المغربي.
أزمة ثقة تضرب المؤسسات
الدراسة كشفت أيضاً أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالأحزاب وحدها، بل امتدت إلى نظرة المواطنين للمؤسسات العمومية بشكل عام.
فمستويات الثقة المسجلة جاءت ضعيفة بشكل لافت، ما يعكس استمرار حالة من التوجس لدى فئات واسعة من المجتمع تجاه قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات المواطنين وتحقيق العدالة والنجاعة المطلوبة في تدبير الشأن العام.
كما أظهرت النتائج أن نسبة مهمة من المستجوبين لا تثق في مصداقية نتائج الانتخابات السابقة، وهو معطى يطرح تساؤلات عميقة حول العلاقة النفسية والسياسية التي أصبحت تربط المواطن بالعملية الانتخابية.
الشباب.. الغائب الأكبر عن القرار
ومن بين أكثر المؤشرات إثارة للانتباه، تلك المرتبطة بمكانة الشباب داخل الحياة السياسية.
فالغالبية الساحقة من المشاركين تعتبر أن الشباب لا يحظون بالمكانة التي يستحقونها داخل المؤسسات الحزبية والمنتخبة، وأن تأثيرهم في صناعة القرار ما يزال محدوداً للغاية.
وتكشف هذه المعطيات أن الأحزاب السياسية فشلت إلى حد بعيد في تجديد نخبها وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، الأمر الذي ساهم في تعميق شعور الإقصاء لدى فئة واسعة من الشباب المغربي.
ورغم ذلك، فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن الشباب أنفسهم يبدون استعداداً أكبر للمشاركة السياسية مقارنة بفئات عمرية أخرى، ما يؤكد أن الأزمة لا ترتبط بعزوف الشباب عن السياسة بقدر ما ترتبط بفقدانهم الثقة في الأدوات السياسية التقليدية.
شبكات التواصل تكتسح المشهد
في مقابل تراجع تأثير الأحزاب ووسائل الإعلام التقليدية، تؤكد الدراسة أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الأول للمعلومة السياسية بالنسبة للمغاربة.
فالمواطن لم يعد ينتظر البلاغات الحزبية أو الخرجات الإعلامية التقليدية، بل أصبح يصنع رأيه السياسي عبر المنصات الرقمية التي تحولت إلى ساحة للنقاش العمومي وصناعة التأثير.
هذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في طبيعة العلاقة بين السياسة والمجتمع، ويضع الأحزاب أمام تحديات جديدة تفرض عليها مراجعة أساليب التواصل والانفتاح على الأجيال الجديدة.
عزوف انتخابي يلوح في الأفق
ومع اقتراب موعد انتخابات 2026، تبدو المؤشرات مقلقة بالنسبة للفاعلين السياسيين.
فالدراسة تكشف أن نسبة مهمة من المواطنين ما تزال مترددة أو غير متحمسة للمشاركة في التصويت، بينما توجد كتلة وازنة من المغاربة تؤكد أنها غير مستعدة للتوجه إلى صناديق الاقتراع مهما كانت الظروف.
ويعتبر فقدان الثقة السبب الرئيسي وراء هذا العزوف، حيث يرى كثيرون أن الانتخابات لم تعد قادرة على إحداث التغيير المنشود، وأن الوجوه نفسها والخطابات نفسها تعود في كل استحقاق دون نتائج ملموسة على أرض الواقع.
إنذار سياسي قبل شتنبر
ما تكشفه هذه الدراسة يتجاوز مجرد أرقام وإحصائيات، فهو بمثابة رسالة سياسية قوية موجهة إلى الأحزاب والنخب المنتخبة والمؤسسات المعنية بالشأن العام.
فالشارع المغربي لا يرفض الديمقراطية ولا يعارض الانتخابات، بل يطالب بسياسة أكثر مصداقية، وبرامج أكثر واقعية، ونخب أقرب إلى هموم المواطنين.
ومع اقتراب استحقاقات شتنبر 2026، تبدو الأحزاب أمام اختبار حقيقي: إما استعادة ثقة المواطنين عبر تجديد خطابها ونخبها وممارساتها، أو مواجهة موجة جديدة من العزوف قد تكون الأكبر منذ سنوات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تطرحه هذه الأرقام بقوة: هل ستنجح الأحزاب المغربية في إقناع المواطنين بأن أصواتهم ما زالت قادرة على صناعة التغيير، أم أن صناديق الاقتراع ستتحول مرة أخرى إلى عنوان جديد لأزمة الثقة التي تخيم على المشهد السياسي؟






