قضايا

زلزال في مخابرات الجزائر: جبار مهنا خلف القضبان.. ورعب الأجنحة يعري عقيدة “صناعة أكباش الفداء”

في تطور متسارع يحمل أبعاداً أمنية وسياسية بالغة الحساسية، يعيش النظام الجزائري على وقع هزة ارتدادية عنيفة عقب إيداع الجنرال جبار مهنا، المدير الأسبق للمديرية العامة للوثائق والأمن الخارجي (المخابرات الخارجية)، السجن العسكري بالبليدة. وتأتي هذه الخطوة لتعيد تسليط الضوء على عقيدة “تصفية الحسابات” وتآكل البنية الداخلية لنظام لا يتردد في التضحية بأقوى رجالاته عند أول منزلق دولي.

وجاء هذا القرار المفاجئ متزامناً وتفجير الفضيحة المدوية المتعلقة بالمحاولة الفاشلة لاختطاف الناشط والمعارض الجزائري المقيم بفرنسا، أمير بوخرص، المعروف باسم “أمير دي زاد”. وهي القضية التي تحولت سريعاً من دائرة السجال الإعلامي والسياسي إلى ردهات التحقيقات القضائية الفرنسية الصارمة، مسببة حرجاً ديبلوماسياً بالستياً لقصر المرادية الذي وجد نفسه محاصراً بملف ثقيل يهدد بقطع ما تبقى من حبال الود مع باريس.

تكتيك “كبش الفداء” لامتصاص الغضب الخارجي

تطرح الأوساط السياسية والمقربون من الشأن الجزائري تساؤلات حارقة حول توقيت رمي مهنا في السجن العسكري؛ إذ تشير المعطيات التحليلية إلى أن هرم السلطة، المتمثل في ثنائي عبد المجيد تبون وسعيد شنقريحة، سارع إلى اتخاذ هذا الإجراء الردعي كـ”مناورة استباقية” لاحتواء تداعيات الفضيحة مع الجانب الفرنسي.

ومن هذا المنطلق، تبدو الخطوة بمثابة تقديم “قربان أمني” لامتصاص الضغوط المتزايدة من طرف القضاء الفرنسي، ومحاولة يائسة من النظام للتنصل من المسؤولية السياسية المباشرة عن عمليات “البلطجة الاستخباراتية” عابرة الحدود، عبر توجيه رسالة لباريس مفادها أن الدولة تتعامل مع الملف داخلياً بصفتها تجاوزاً فردياً عوقب صاحبه عبر المؤسسات القضائية العسكرية.

السريالية السياسية: تدوير النخب الفاسدة

يختزل المسار المهني للجنرال جبار مهنا طبيعة العقيدة الأمنية الحاكمة في الجزائر، والتي تقوم على الولاءات المتغيرة وولادة النفوذ من رحم الأزمات:

  • جيل العشرية السوداء: يُعد مهنا امتداداً مباشراً لجيل الجنرالات الذين هندسوا مرحلة التسعينيات الدامية، وكان مقرباً بشكل وثيق من مراكز النفوذ التقليدية مثل وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، ومدير المخابرات الأسبق محمد مدين (الجنرال توفيق).

  • تذوق السجن والعودة للواجهة: لم تكن هذه المرة الأولى التي يدخل فيها مهنا سجن البليدة؛ ففي أعقاب حراك 2019 الإطاحة بنظام بوتفليقة، اعتقل بتهم إساءة استعمال السلطة والإثراء غير المشروع. لكن في نظام “العصابات”، تم الإفراج عنه عام 2020، وجرى تدويره وترقيته لقيادة مديرية مكافحة الإرهاب، ثم تعيينه في سبتمبر 2022 على رأس المخابرات الخارجية.

  • الواجهة الدبلوماسية: خلال سنتين من تمدد نفوذه، قاد مهنا ملفات إقليمية حارقة كالأزمة في مالي، ورافق وزير الخارجية أحمد عطاف في مساعٍ أمنية، قبل أن ينتهي به المطاف سريعاً في نفس الزنزانة التي غادرها قبل سنوات.

حرب الأجنحة.. حينما يلتهم النظام أبناءه

تتجاوز أهمية سقوط جبار مهنا تداعيات قضية الاختطاف الفاشلة في فرنسا، لتكشف عن حرب أجنحة صامتة ومستعرة تطحن مفاصل الدولة الجزائري منذ أشهر. وتترجم التغييرات المتلاحقة، والإقالات والتعيينات غير المستقرة في الهرم العسكري والاستخباراتي، وجود رعب تنظيمي داخلي وصراع مرير حول من يمسك بالملفات الاستراتيجية للبلاد.

إن هذا التآكل البنيوي يظهر كيف يعيش العسكر في الجزائر أزمة انسجام خانقة؛ حيث تسعى القيادة العسكرية إلى الهيمنة المطلقة وإلغاء أي صوت موازٍ، في حين تحاول الرئاسة الواجهية الحفاظ على توازنات هشة لحماية بقائها. وفي محصلة هذا الصراع، يظل القضاء العسكري أداة طيعة لتصفية الحسابات وتصدير الأزمات الداخلية نحو الخارج، مما يؤكد أن البقاء في هرم السلطة الجزائرية لا يخضع للقانون أو الكفاءة، بل لمدى قدرة الجناح القوي على سحق خصومه وتحويلهم إلى أكباش فداء عند أول فضيحة دولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى