سياسة

العزوف… الحزب الأول في المغرب؟ عندما يفوز المقاطعون وتخسر السياسة معركة الثقة

قبل أقل من سنة على موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لا يبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجه الأحزاب المغربية هو كيفية الفوز بالمقاعد البرلمانية، بل كيفية إقناع ملايين المغاربة بالعودة إلى صناديق الاقتراع.

فإذا كانت الأحزاب تتنافس اليوم حول البرامج والشعارات والتحالفات والمرشحين، فإن خصمها الحقيقي قد لا يكون حزباً منافساً أو تياراً سياسياً معيناً، بل ظاهرة اسمها “العزوف الانتخابي”، التي تحولت مع مرور السنوات إلى ما يشبه الحزب الأكبر والأكثر انتشاراً داخل المجتمع المغربي.

الأرقام التي كشفت عنها دراسة ميدانية وطنية حديثة لجمعية “المواطنون” لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. فحين يختار أكثر من أربعة من كل عشرة ناخبين مؤهلين التصويت بالمقاطعة الإرادية، فإن الأمر لا يتعلق بحدث عابر أو سلوك ظرفي، بل بمؤشر عميق على وجود أزمة ثقة تتجاوز الأحزاب لتطال العلاقة بين المواطن والعمل السياسي برمته.

لكن المفارقة اللافتة أن المغاربة لا يبدون معادين للديمقراطية، ولا رافضين للانتخابات كمبدأ، بل إن أغلبهم ما زال يعتبر التصويت واجباً وطنياً ومواطناتياً مهماً. وهنا تبرز المعضلة الحقيقية: المواطن لا يرفض صندوق الاقتراع، بل يشكك في جدوى ما يحدث بعد إغلاقه.

أزمة ثقة أم أزمة سياسة؟

من السهل تفسير العزوف باللامبالاة أو ضعف الوعي السياسي، لكن المعطيات الميدانية تكشف واقعاً مختلفاً.

فالكثير من المواطنين يتابعون الشأن العام ويهتمون بالقضايا الوطنية ويملكون مواقف واضحة تجاه السياسات العمومية، لكنهم في المقابل لا يجدون أنفسهم داخل العرض السياسي القائم.

لقد أصبحت الفجوة واسعة بين الخطاب السياسي وانتظارات المجتمع.

الأحزاب تتحدث كثيراً عن التوازنات والتحالفات والاستحقاقات الانتخابية، بينما يتحدث المواطن عن المدرسة العمومية والمستشفى وفرص الشغل والقدرة الشرائية والسكن والنقل.

الأحزاب منشغلة بمعارك المواقع، فيما المواطن منشغل بمعركة الحياة اليومية.

وهنا بالتحديد تكمن جذور الأزمة.

فالمواطن لا يبحث عن الخطب الرنانة بقدر ما يبحث عن نتائج ملموسة يشعر بها في حياته اليومية.

لماذا تراجعت جاذبية الأحزاب؟

لأن جزءاً كبيراً من المغاربة أصبح يعتبر أن الأحزاب السياسية لم تعد تؤدي وظيفتها التأطيرية كما ينبغي.

فعوض أن تكون فضاءات للنقاش وإنتاج الأفكار وتأطير المواطنين، تحولت لدى فئات واسعة إلى هياكل تنشط فقط خلال المواسم الانتخابية.

كما أن ظاهرة الترحال السياسي أضعفت ثقة الناخبين في الخطاب الحزبي.

كيف يمكن إقناع المواطن ببرنامج سياسي إذا كان بعض المنتخبين ينتقلون بين الأحزاب بسهولة تفوق انتقال المشجعين بين المدرجات؟

وكيف يمكن بناء الثقة إذا كانت الوعود الانتخابية غالباً ما تختفي مباشرة بعد إعلان النتائج؟

إن الأزمة ليست فقط في ضعف التواصل، بل في ضعف المصداقية.

فالمغاربة لم يعودوا يطالبون بالمزيد من الشعارات، بل بالمزيد من الوفاء للالتزامات.

الشباب… الغاضب الذي لم يغادر السياسة

على عكس الصورة النمطية السائدة، لا يبدو الشباب المغربي منفصلاً عن السياسة.

الدراسة تكشف معطى بالغ الأهمية: الشباب هم الأكثر انتقاداً للأحزاب، لكنهم أيضاً الأكثر استعداداً للمشاركة إذا وجدوا أسباباً مقنعة لذلك.

وهذا يعني أن الأزمة ليست أزمة رفض للسياسة، بل أزمة رفض لأسلوب ممارستها.

الشباب المغربي يريد أن يرى وجوهاً جديدة.

يريد لغة جديدة.

ويريد حلولاً جديدة.

ولا يريد أن يبقى رهينة نفس الخطابات التي تتكرر منذ سنوات دون أن تغير واقع البطالة أو التعليم أو الصحة.

ولهذا فإن الرهان الحقيقي للأحزاب ليس استقطاب الشباب في الحملات الانتخابية، بل إشراكهم في صناعة القرار السياسي نفسه.

النساء… قوة انتخابية صاعدة

من المعطيات اللافتة أيضاً أن النساء أظهرن استعداداً أكبر للمشاركة مقارنة بالرجال.

وهذا مؤشر مهم على التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

فالمرأة المغربية أصبحت أكثر حضوراً في المجال العام وأكثر اهتماماً بالشأن السياسي وأكثر وعياً بتأثير القرار العمومي على حياتها اليومية.

غير أن هذا المعطى يطرح في المقابل سؤالاً آخر: هل استطاعت الأحزاب فعلاً مواكبة هذا التحول؟

وهل منحت النساء المكانة التي يستحقنها داخل هياكلها وبرامجها وقياداتها؟

هل يستطيع العزوف الفوز مجدداً؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل سيبقى العزوف الحزب الأول في المغرب خلال انتخابات 2026؟

الجواب ليس محسوماً بعد.

صحيح أن هناك كتلة واسعة فقدت الثقة.

وصحيح أن نسبة مهمة من المواطنين لا ترى جدوى من المشاركة.

لكن المعطيات نفسها تكشف أن جزءاً كبيراً من المقاطعين ليس مقاطعاً عقائدياً أو نهائياً.

بل هو مواطن ينتظر إشارات قوية تعيد إليه الثقة.

ينتظر نزاهة أكبر.

وشفافية أوضح.

وبرامج أكثر واقعية.

ومرشحين أقرب إلى همومه اليومية.

بمعنى آخر، فإن معركة 2026 لم تحسم بعد.

كيف يمكن استعادة الثقة؟

الحل لا يكمن في حملات دعائية مكثفة ولا في رفع الشعارات خلال الأسابيع السابقة للانتخابات.

الحل يبدأ أولاً بإعادة الاعتبار للفعل السياسي نفسه.

يبدأ عندما يشعر المواطن أن صوته يحدث فرقاً.

وعندما يرى أن المنتخب يحاسَب على وعوده.

وعندما تصبح الأحزاب حاضرة بين المواطنين طوال خمس سنوات لا خلال شهرين فقط.

كما أن تجديد النخب السياسية أصبح ضرورة لا خياراً.

فالمجتمع المغربي تغير بسرعة، بينما ما زالت بعض أدوات العمل السياسي تتحرك بإيقاع بطيء.

إن المغرب يحتاج اليوم إلى أحزاب قادرة على الإنصات قبل الحديث، وعلى تقديم الحلول قبل إطلاق الشعارات.

انتخابات 2026… اختبار مصيري

الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد محطة لتجديد المؤسسات المنتخبة.

بل ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الأحزاب على استعادة ثقة المغاربة.

واختباراً لمدى قدرة السياسة على إقناع المواطن بأنها ما زالت قادرة على صناعة الفارق.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في فوز هذا الحزب أو ذاك، بل في اتساع دائرة اللامبالاة وفقدان الثقة.

لأن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد صناديق الاقتراع، بل بمستوى إيمان المواطنين بجدوى المشاركة فيها.

واليوم، يبدو أن الرسالة التي يبعثها المغاربة إلى الطبقة السياسية واضحة: لسنا ضد الانتخابات، ولسنا ضد الديمقراطية، لكننا نريد سياسة أكثر قرباً من المواطن، وأكثر صدقاً في الوعود، وأكثر قدرة على تحويل الآمال إلى إنجازات.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل “حزب العزوف” منافساً شرساً للجميع، وربما الحزب الأقوى في المشهد الانتخابي المغربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى