قضايا

فضيحة أجهزة كشف الغش: صفقة غامضة تبتلع المال العام وتحوّل مراكز الامتحانات إلى ثكنات لترهيب التلاميذ

لم تكد امتحانات البكالوريا تنطلق حتى تفجرت في وجه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، التي يتربع على رأسها الوزير سعد برادة، فضيحة مدوية من العيار الثقيل. الفضيحة هذه المرة لا تتعلق بتسريب للامتحانات، بل بصفقة عمومية غامضة اقتنت بموجبها الوزارة ألفي (2000) جهاز يزعم مروجوها أنها مخصصة لرصد الهواتف المحمولة وأدوات الغش داخل الفصول، ليتبين مع أول كشف ميداني أنها مجرد “خردة تكنولوجية” عاجزة، أهدرت الملايين من المال العام وحولت فضاءات التربية إلى ساحات للترهيب والتخويف.

أولاً: صفقة الـ2000 جهاز.. غموض يلف الأرقام والشركات المستفيدة

أثارت هذه الأجهزة الغريبة موجة عارمة من النقد والاستهجان وسط الفعاليات الحقوقية والتربوية، التي سارعت إلى المطالبة بفتح تحقيق عاجل ونزيه في ملابسات هذه الصفقة التي تفوح منها رائحة “الريع وغياب الشفافية”.

تتجلى معالم الغموض المحيط بهذا الملف في المحاور التالية:

  • حجب المعطيات الحقيقية: في الوقت الذي يفترض فيه إعمال مبدأ الحق في الوصول إلى المعلومة، تلتزم الوزارة صمتاً مريباً حول القيمة المالية الحقيقية لصفقة شراء هذه الأجهزة، وعن الهوية الحقيقية للشركة التي رسا عليها طلب العروض، مما يضع التدبير المالي للوزير سعد برادة تحت مجهر المساءلة الشعبية والمؤسساتية.

  • الفشل التقني الذريع: كشفت التجربة الميدانية خلال الساعات الأولى من الامتحانات عن محدودية مخجلة لهذه الآلات؛ حيث أبان استعمالها عن ضعف فاضح في رصد التكنولوجيات الحديثة. والمثير للسخرية، حسب مصادر من قاعات الامتحان، أن لجاناً مرت بهذه الأجهزة فوق طاولات المترشحين دون أن تصدر أي رنين، ليتم بعد مغادرتها ضبط هواتف مشغلة لدى تلاميذ في نفس القاعة، مما يعري زيف الشعارات الرسمية حول “عصرنة آليات المحاربة”.

ثانياً: ترهيب وإرهاب نفسي.. تفتيش عشوائي يضيع زمن المترشحين

لم يتوقف الأمر عند حدود الفشل التقني وتبديد المال العام، بل تعداه ليلحق ضرراً بليغاً بالمنظومة البيداغوجية والتربوية، وبسلامة التلاميذ النفسية والذهنية في أدق لحظات مسارهم الدراسي.

وحسب شهادات حية لفعاليات تربوية من داخل مراكز الامتحانات، فقد تسببت هذه الأجهزة في كوارث حقيقية:

  1. العجز عن التمييز: تبين أن الأجهزة المقتناة لا تكتشف جميع أنواع الهواتف، بل إنها تطلق إنذارات خاطئة تسببت في إخراج عدد من التلاميذ وتفتيشهم بشكل مهين ومذل، ليتبين في النهاية عدم حيازتهم لأي هاتف أو وسيلة غش، مما خلف لديهم صدمات نفسية حادة وضياعاً لتركيزهم الذهني.

  2. أحجام مرعبة وأجواء مشحونة: حجم الأجهزة الكبير وطريقة اقتحام اللجان للقاعات تحاكي أساليب المداهمات الأمنية، مما نزع عن فضاء المؤسسة التعليمية طابعه التربوي وزرع الرعب في نفوس المترشحين، خاصة أولئك الذين قضوا سنة كاملة في التحصيل والاجتهاد ويجدون أنفسهم وسط أجواء مشحونة بالشك والاتهام المسبق.

ثالثاً: المركز المغربي لحقوق الإنسان يدخل على الخط.. تشويش وإرباك

وفي سياق الردود الغاضبة، وجه المركز المغربي لحقوق الإنسان انتقادات لاذعة لوزارة التربية الوطنية، معتبراً أن الاستعانة بهذه الأجهزة حوّل مراكز الامتحانات إلى أشكال من الثكنات المحاطة بالترهيب والتوجس والتخويف.

وجاء في تقييم المركز الحقوقي للمهزلة:

  • استنزاف زمن الامتحان: كشف المركز أن دخول اللجان المحملة بهذه الآلات الفاشلة تسبب في هدر زمني خطير يتراوح ما بين 15 و40 دقيقة في بعض الحجرات الدراسية، وهو وقت مقتطع مباشرة من الزمن القانوني المخصص للتلاميذ للإجابة، دون تعويض يذكر، مما يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الإجرائية.

  • أضرار نفسية بليغة: أكد المصدر ذاته أن الطريقة العشوائية لاستعمال الأجهزة ألحقت ضرراً فادحاً بالمترشحين المجتهدين، وخلقت تشويشاً ذهنياً أثر على مردوديتهم. وشدد المركز على أن محاربة الغش تظل مطلباً مشروعاً، لكنها يجب أن تتم عبر تدابير عملية ملائمة، وبيداغوجية مسؤولة لا تدمر المنظومة النفسية والزمنية للتلاميذ.

 ملف وجب رفعه للمجلس الأعلى للحسابات

إن فضيحة الأجهزة المقتناة في عهد سعد برادة تعيد إلى الواجهة تساؤلات حارقة حول كيفية تدبير الصفقات العمومية داخل قطاع التعليم، وكيف تتحول الميزانيات الضخمة إلى اقتناء معدات “مغشوشة” تضر بالعملية التعليمية عوض أن تصلحها.

إن هذه المعطيات الصادمة تستدعي تدخلاً فورياً من قضاة زينب العدوي بالمجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية، لفتح علبة الصفقات الخاصة بهذه الأجهزة، ونبش خيوط المستفيدين من أموال الشعب لتغطية عجز وفشل تقني يدفع ثمنه التلميذ المغربي من مستقبله وأعصابه. ولن يتوقف قلمنا الاستقصائي عن ملاحقة تفاصيل هذه الصفقة بالأسماء والأرقام لتعرية كل المتواطئين في تبديد أموال التعليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى