زلزال إداري بوزارة التعليم العالي.. إعفاءات تكشف عمق أعطاب التدبير وتفجر أسئلة الإصلاح المؤجل داخل الجامعات المغربية

تعيش وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار على وقع حراك إداري متسارع يحمل في طياته رسائل قوية بشأن حجم الاختلالات والتراكمات التي باتت تثقل قطاع التعليم العالي بالمغرب، وذلك عقب قرار إعفاء مدير الموارد البشرية بالوزارة، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشراً واضحاً على دخول الوزارة مرحلة جديدة عنوانها ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاولة إعادة ضبط واحدة من أكثر القطاعات حساسية وتعقيداً داخل الإدارة العمومية.
ويأتي هذا التطور في سياق يتسم بتصاعد حالة التذمر داخل الأوساط الجامعية والإدارية، بسبب تعثر عدد من الملفات المهنية والتنظيمية التي ظلت عالقة لسنوات، وسط انتقادات متزايدة لما يعتبره فاعلون “بطئاً بيروقراطياً” وغياباً للنجاعة في تنزيل الإصلاحات المعلنة داخل قطاع يفترض أن يكون قاطرة لإنتاج النخب والكفاءات ومواكبة التحولات التنموية التي تعرفها المملكة.
وبحسب المعطيات المتداولة داخل أوساط القطاع، فإن قرار الإعفاء جاء بعد تسجيل اختلالات مرتبطة بتدبير ملفات استراتيجية ذات طابع إداري وقانوني واجتماعي، من بينها التأخر في إخراج عدد من المراسيم التنظيمية التي ينتظرها الأساتذة والباحثون والموظفون، وفي مقدمتها الملفات المرتبطة بمعادلة الشهادات ومسارات الترقي والتسوية الإدارية.
كما تعكس هذه التطورات حجم التعقيد الذي بات يطبع تدبير الموارد البشرية داخل الجامعات المغربية، في ظل تراكم ملفات عالقة مرتبطة بالترقيات والأقدمية والتعويضات وإعادة هيكلة المسارات المهنية، وهي ملفات تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر احتقان متواصل داخل القطاع، خصوصاً مع تزايد مطالب النقابات الجامعية بتسريع وتيرة الإصلاح وإنهاء حالة “الجمود الإداري” التي تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين بالقطاع.
ويرى متابعون أن ما يجري داخل الوزارة لا يمكن عزله عن الأزمة البنيوية التي يعيشها التعليم العالي بالمغرب، والتي تتجاوز الجوانب الإدارية نحو إشكالات أعمق مرتبطة بالحكامة وجودة التكوين وربط الجامعة بسوق الشغل والبحث العلمي والقدرة على مواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية العالمية.
ورغم المجهودات التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة لإصلاح المنظومة الجامعية، ما تزال الجامعات المغربية تواجه تحديات كبرى، أبرزها الاكتظاظ، وضعف التأطير البيداغوجي، وخصاص الموارد البشرية، إضافة إلى بطء تنزيل الإصلاحات القانونية والتنظيمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأداء الإداري والأكاديمي داخل المؤسسات الجامعية.
كما أن تأخر تسوية عدد من الملفات الإدارية الحساسة ساهم في توسيع دائرة الاحتقان داخل القطاع، خاصة في ظل تزايد الانتظارات المرتبطة بتحسين الوضعية المهنية للأساتذة الباحثين والأطر الإدارية، وتحديث أنظمة التدبير الإداري بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها الإدارة العمومية المغربية.
وفي خضم هذه التحولات، تتجه الأنظار إلى قدرة عز الدين الميداوي على إعادة ترتيب البيت الداخلي للوزارة، وفتح صفحة جديدة تقوم على تسريع وتيرة الإصلاح الإداري وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة أن قطاع التعليم العالي يوجد اليوم في قلب رهانات النموذج التنموي الجديد الذي يراهن على الجامعة كمحرك أساسي لإنتاج المعرفة والكفاءات.
ويعتبر متابعون أن أي إصلاح حقيقي للجامعة المغربية لن ينجح فقط عبر تغيير المسؤولين أو إصدار قرارات إدارية معزولة، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تعالج أعطاب الحكامة والتدبير والتمويل والتكوين والبحث العلمي، مع إعادة الاعتبار للموارد البشرية باعتبارها العمود الفقري لأي إصلاح مؤسساتي ناجح.
وفي انتظار ما ستفرزه المرحلة المقبلة من قرارات وإصلاحات جديدة، يبدو أن ما يحدث داخل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار يعكس بداية مرحلة دقيقة تسعى من خلالها الدولة إلى إعادة فرض الانضباط الإداري داخل قطاع استراتيجي، ظل لسنوات يواجه تحديات متراكمة وأسئلة مؤجلة حول مستقبل الجامعة المغربية وقدرتها على مواكبة التحولات الوطنية والدولية.






