ملف خاص: فاس تدخل عهد التحول الكبير… الوالي خالد آيت الطالب ينزل التوجيهات الملكية و يقود أوراش التغيير ويرسم معالم العاصمة العلمية قبل مونديال 2030

لم تعد مدينة فاس مجرد حاضرة تاريخية تختزن ذاكرة المغرب العميقة وحضارته الممتدة لقرون، بل باتت اليوم تعيش على وقع تحولات كبرى ومشاريع مهيكلة تعيد تشكيل ملامحها العمرانية والاقتصادية والسياحية، في إطار رؤية تنموية جديدة تقودها ولاية جهة فاس مكناس تحت إشراف الوالي خالد آيت الطالب، الذي استطاع في ظرف وجيز أن ينزل التوجيهات الملكية السامية و يفرض أسلوباً ميدانياً جديداً داخل الإدارة الترابية، عنوانه العمل الصامت، والنجاعة، والنزول إلى الميدان، وربط المسؤولية بالنتائج.
فمنذ تعيينه على رأس الجهة، بدا واضحاً أن خالد آيت الطالب لا يشتغل بمنطق التدبير الإداري التقليدي، بل بمنطق رجل دولة يدرك حجم الرهانات المطروحة على العاصمة العلمية للمملكة، ويفهم جيداً ما تحتاجه الساكنة من بنية تحتية، ونقل، وفرص استثمار، واستقرار اجتماعي، وتأهيل حضري شامل يعيد لفاس بريقها التاريخي ومكانتها الوطنية والدولية.
ويجمع متابعون للشأن المحلي على أن الوالي آيت الطالب تمكن بسرعة من “فك شفرات” الإدارة الترابية، واستيعاب طبيعة الإكراهات المعقدة التي ظلت تعرقل عدداً من المشاريع لسنوات، حيث اختار منذ البداية الاشتغال وفق فلسفة واضحة تستلهم التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئ جلالة الملك محمد السادس يؤكد عليها في خطاباته، خاصة ما يتعلق بالمفهوم الجديد للسلطة، القائم على القرب من المواطن، والإنصات، والتفاعل الميداني، وربط التنمية بالعدالة المجالية وتحسين ظروف العيش.
“فاس الجهة للتهيئة”… الذراع الهندسي الذي يعيد رسم المدينة
وفي قلب هذا التحول الكبير، برز اسم شركة فاس الجهة للتهيئة كفاعل أساسي في تنزيل الأوراش الكبرى التي تشهدها المدينة، بعدما تحولت الشركة إلى ذراع هندسي وتقني قوي يقود عمليات التأهيل الحضري وإنجاز المشاريع المهيكلة وفق رؤية حديثة ومتناسقة.
وباتت شركة فاس الجهة للتهيئة اليوم تشرف على عدد من المشاريع الاستراتيجية التي غيرت ملامح عدة أحياء ومحاور طرقية بالمدينة، حيث انتقلت فاس من مرحلة الانتظار والتعثر إلى مرحلة الإنجاز الفعلي والمتابعة اليومية للأوراش المفتوحة.
ولعل ما يميز تجربة شركة فاس الجهة للتهيئة هو اعتمادها مقاربة تقنية حديثة تقوم على السرعة في الإنجاز، وجودة البنيات، واحترام الهوية المعمارية للعاصمة العلمية، مع إدماج البعد البيئي والجمالي داخل مختلف المشاريع الجديدة.
ويؤكد متابعون أن الشركة أصبحت اليوم أحد أهم أدوات تنزيل الرؤية الجديدة التي تراهن عليها ولاية الجهة لإعادة تأهيل فاس قبل سنة 2030، خصوصاً مع اقتراب المغرب من احتضان تظاهرات دولية كبرى وفي مقدمتها مونديال 2030.
مطار فاس سايس… بوابة دولية جديدة للمغرب العميق
ومن بين أبرز الأوراش التي تعكس التحول الذي تعرفه المدينة، مشروع توسعة مطار فاس سايس وإنجاز محطة جوية ثالثة، وهو المشروع الذي سيمنح لفاس نفساً دولياً جديداً، ويرفع الطاقة الاستيعابية للمطار إلى أكثر من خمسة ملايين مسافر سنوياً.
ويأتي هذا الورش في سياق الرهان على جعل فاس قطباً سياحياً واستثمارياً متكاملاً، خاصة أن المدينة بدأت تستعيد تدريجياً عدداً من الخطوط الجوية الدولية التي غادرتها في فترات سابقة، بفضل الثقة المتزايدة للمستثمرين وشركات الطيران في الدينامية الجديدة التي تعرفها الجهة.
ولا يتعلق الأمر فقط بتوسعة المطار، بل برؤية متكاملة تشمل تحسين الربط بين المطار ومختلف أحياء المدينة عبر منظومة نقل ذكية، حيث يجري الإعداد لإطلاق خطوط حافلات حديثة ومشروع “الباص واي”، الذي سيشكل نقلة نوعية في مجال النقل الحضري.
نهاية سنوات الاختناق… فاس تدخل عصر النقل الذكي
لأول مرة منذ عقود، تبدو فاس مقبلة على القطع مع واحدة من أكبر أزماتها المزمنة، وهي أزمة النقل الحضري والتنقل داخل المدينة.
فالسلطات الترابية، بتنسيق مع مختلف المتدخلين، تراهن اليوم على إعادة هيكلة شاملة لحركية السير والجولان، عبر إطلاق خطوط نقل عصرية، وتأهيل المحاور الطرقية الكبرى، وتوسيع الشوارع، وإحداث مدارات حديثة وإشارات ضوئية ذكية، بما يواكب النمو العمراني المتسارع للمدينة.
كما تستعد فاس لإطلاق تجربة المرائب تحت أرضية لأول مرة في تاريخها، وهي خطوة تعتبر تحولاً مهماً في تدبير الفضاء الحضري، لأنها ستخفف الضغط عن الطرقات، وتمنح الأولوية للراجلين، وتساهم في تحسين جمالية المدينة وتقليص الفوضى المرورية.
ويؤكد متابعون أن هذه المشاريع لا يمكن فصلها عن الرؤية الجديدة التي يقودها والي الجهة خالد آيت الطالب، والذي يشتغل، بحسب عدد من الفاعلين المحليين، بمنطق “المسؤول الترابي الذي يتكلم قليلاً ويشتغل كثيراً”، حيث اختار الابتعاد عن الضجيج الإعلامي والتركيز على تتبع الأوراش ميدانياً.
مسارح وقصور مؤتمرات و”أرينا” رياضية… فاس تستعيد إشعاعها
ولا تقتصر الأوراش المفتوحة على البنية الطرقية والنقل فقط، بل تشمل أيضاً مشاريع ثقافية ورياضية كبرى تعكس طموح فاس لاستعادة مكانتها كعاصمة للثقافة والحضارة والانفتاح.
فمن المرتقب أن ترى النور مشاريع ضخمة تشمل مسرحاً ثقافياً حديثاً، وقصر مؤتمرات بمواصفات دولية، إضافة إلى قاعة “أرينا” رياضية مغطاة قادرة على احتضان التظاهرات الكبرى، سواء الرياضية أو الفنية أو الاقتصادية.
كما يجري العمل على تأهيل عدد من الفضاءات العمومية، وإحداث ملاعب للقرب، وتوسيع المساحات الخضراء، وتحسين الإنارة العمومية، وإعادة الاعتبار لعدد من الساحات التاريخية، بما يعيد الروح إلى المدينة ويجعلها أكثر جاذبية للساكنة والزوار.
وعندما يدخل الزائر إلى فاس خلال السنوات المقبلة، سيلاحظ حجم التحول الذي تعرفه المدينة؛ طرقات واسعة، مداخل حديثة، تجهيزات حضرية متطورة، فضاءات خضراء، إشارات ضوئية عصرية، ومرافق عمومية تعكس انتقال العاصمة العلمية إلى مرحلة جديدة من التأهيل الحضري.
فاس وربح رهان 2030… مدينة تستعيد روحها
وتندرج هذه الدينامية في إطار الرهانات الكبرى التي وضعها جلالة الملك محمد السادس من أجل تأهيل المدن المغربية استعداداً لمونديال 2030، ليس فقط من الناحية الرياضية، بل من خلال بناء مدن حديثة، متوازنة، وقادرة على جذب الاستثمار والسياحة وتحسين جودة الحياة.
وفي هذا السياق، تبدو فاس اليوم واحدة من المدن التي تسابق الزمن للحاق بركب التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، مستفيدة من قيادة ترابية جديدة تشتغل وفق منطق النجاعة والالتقائية وتسريع الإنجاز.
ويرى متابعون أن خالد آيت الطالب نجح في فترة قصيرة في إعادة الثقة إلى عدد من المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين، عبر إظهار جدية واضحة في التعامل مع الملفات الكبرى، وتسريع وتيرة المشاريع، وتجاوز منطق الانتظارية الذي ظل يطبع عدداً من الأوراش لسنوات.
لكن، ورغم أهمية هذه المشاريع، فإن الرهان الحقيقي يبقى جماعياً، لأن نجاح التحول الذي تعرفه فاس لا يرتبط فقط بالمؤسسات، بل يحتاج أيضاً إلى انخراط الساكنة، والحفاظ على المكتسبات، وتغيير العقليات، واحترام الفضاء العام، والمساهمة في ترسيخ صورة مدينة نظيفة وآمنة ومتطورة.
ففاس ليست مجرد مدينة عادية، بل هي العاصمة العلمية والروحية للمملكة، ومدينة الثقافة والحضارات، وفضاء تلاقي الأديان والتاريخ والهوية المغربية الأصيلة.
واليوم، تبدو المدينة أمام فرصة تاريخية لاستعادة مكانتها الطبيعية، بفضل أوراش كبرى، ورؤية ملكية واضحة، ومسؤول ترابي اختار العمل الميداني عنواناً لمرحلته، في انتظار أن تتحول هذه المشاريع إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية، ويعيد لفاس نبضها الذي افتقدته لسنوات طويلة.






