سياسة

شبهات “ريع جبائي” تهز جماعات ترابية.. الداخلية تفتح ملفات ثقيلة حول إعفاءات مشبوهة واستغلال النفوذ

باشرت مصالح وزارة الداخلية تحقيقات إدارية واسعة داخل عدد من الجماعات الترابية، بعد تصاعد مؤشرات اختلالات مالية خطيرة مرتبطة بتضخم مبالغ الضرائب والرسوم غير المحصلة، في ملف بات يثير الكثير من علامات الاستفهام حول طرق تدبير الموارد الجماعية وحقيقة الامتيازات التي استفاد منها منتخبون ومقربون من دوائر النفوذ المحلي.

ووفق معطيات متطابقة، فإن مديرية مالية الجماعات المحلية التابعة للمديرية العامة للجماعات الترابية دخلت على خط هذا الملف بعد تسجيل ارتفاع غير مسبوق في ما يُعرف بـ”الباقي استخلاصه” و”المستحيل استخلاصه”، وهي الديون الجبائية التي تراكمت لسنوات داخل حسابات جماعات حضرية وقروية، متسببة في ارتباك مالي كبير انعكس على التوازنات الميزانياتية وبرامج التنمية المحلية.

وتشير المعطيات الأولية إلى أن عشرات الجماعات الترابية توجد اليوم تحت مجهر الافتحاص الإداري، بعدما تجاوزت قيمة الضرائب غير المستخلصة خلال السنوات الأخيرة مليارات الدراهم، في وقت تتحدث فيه التقارير الداخلية عن وجود اختلالات تتجاوز ضعف التحصيل الإداري إلى شبهات مرتبطة باستغلال النفوذ ومنح امتيازات ضريبية بطرق انتقائية.

وتتركز التحقيقات الجارية حول ملفات إعفاءات وإسقاط غرامات وذعائر تأخير لفائدة بعض الملزمين دون مبررات واضحة، الأمر الذي كبّد ميزانيات جماعات خسائر مالية مهمة، وأثار تساؤلات حول مدى احترام مبدأ المساواة أمام الأداء الجبائي، خاصة في ظل وجود معطيات تتحدث عن استفادة مقربين وحلفاء سياسيين من تسهيلات غير قانونية لتسوية أوضاعهم الضريبية.

كما تشتبه مصالح التفتيش في وجود تدخلات داخل لوائح الملزمين بالضرائب والرسوم المحلية، سواء عبر إسقاط أسماء أو تجميد مساطر التحصيل أو التغاضي عن مستحقات مرتبطة باستغلال الملك العمومي، خصوصاً بالنسبة لمقاه ومطاعم ومحلات تجارية تنشط داخل نفوذ جماعات ترابية، دون أن تؤدي ما بذمتها من واجبات بالشكل المطلوب.

ولم تقف الاختلالات عند حدود التدبير الإداري، بل امتدت إلى ما تصفه مصادر مطلعة بـ”شبكات مصالح محلية” تجمع بين بعض المنتخبين ومسؤولين مكلفين بالتحصيل، في ظل شبهات تواطؤ سمحت بتراكم ديون ضخمة لسنوات دون اتخاذ إجراءات قانونية حازمة لاسترجاع الأموال العمومية.

وكشفت التحقيقات الأولية أيضاً أن جزءاً مهماً من الديون المصنفة ضمن “المستحيل استخلاصه” يعود إلى ملزمين متوفين أو أشخاص غادروا عناوينهم دون تحيين المعطيات الإدارية الخاصة بهم، إضافة إلى ملفات أخرى مرتبطة بنزاعات قضائية أو برفض صريح للأداء، ما أدى إلى تضخم أرقام مالية ظلت تُدرج سنوياً داخل الميزانيات الجماعية كمداخيل محتملة دون أن تدخل فعلياً إلى خزائن الجماعات.

وتسعى وزارة الداخلية، من خلال هذه المهمة الرقابية، إلى تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات الإدارية والقانونية عند الاقتضاء، خاصة في الملفات التي قد يثبت فيها وجود استغلال للنفوذ أو منح امتيازات جبائية خارج الإطار القانوني، مع توجه نحو إلزام المستفيدين بأداء كافة المستحقات المتأخرة مرفوقة بالغرامات القانونية وتكاليف التحصيل.

ويأتي هذا التحرك في سياق تشديد وزارة الداخلية الرقابة على مالية الجماعات الترابية، خصوصاً بعد المراسلة التي وجهها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إلى الولاة والعمال، والتي دعا فيها إلى تسريع مساطر التحصيل وتفعيل مقتضيات القوانين الجديدة المرتبطة بجبايات الجماعات الترابية، إلى جانب إعادة تنظيم تدبير بعض الرسوم المحلية عبر تعيين قباض جماعيين جدد.

ويرى متابعون أن هذا الملف يكشف مجدداً حجم الأعطاب البنيوية التي ما تزال تعاني منها مالية الجماعات الترابية، سواء بسبب ضعف الحكامة أو هشاشة أنظمة التحصيل أو تغلغل الحسابات السياسية والانتخابية في تدبير الموارد العمومية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة الجماعات على تمويل مشاريع التنمية وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

كما يُنتظر أن تفتح نتائج هذه التحقيقات الباب أمام مرحلة جديدة من التدقيق في طرق تدبير المال العام المحلي، خاصة في ظل تصاعد الدعوات إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع حد لما يصفه فاعلون بـ”الريع الجبائي” الذي حول بعض الجماعات إلى فضاءات لاستنزاف الموارد بدل تنميتها وتحصيلها وفق القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى