عيد الأضحى على وقع “الصدمة السعرية”: وفرة القطيع لا تُطفئ لهيب الأثمنة وأضاحٍ تلامس 5500 درهم تُرهق الأسر

مع اقتراب عيد الأضحى، يدخل سوق الأضاحي مرحلة حاسمة تتقاطع فيها رهانات العرض مع ضغوط القدرة الشرائية، في مشهد اقتصادي واجتماعي معقد. وبينما تؤكد الحكومة توفر القطيع بشكل كافٍ لتلبية الطلب الوطني، تكشف المعطيات الميدانية عن واقع مختلف عنوانه الأبرز: أسعار ملتهبة تُثقل كاهل الأسر المغربية وتضعها أمام خيارات صعبة.
وفرة في العرض… واختناق في القدرة الشرائية
رغم المؤشرات الرسمية التي تتحدث عن وفرة في رؤوس الأغنام وتنوع في العرض، إلا أن النقاش داخل السوق انتقل من سؤال “هل الأضاحي متوفرة؟” إلى سؤال أكثر إلحاحاً: “هل يستطيع المواطن شراءها؟”.
في الأسواق، تبدأ الأسعار من حوالي 3000 درهم للأضاحي المتوسطة، لكنها سرعان ما تقفز إلى ما بين 5000 و5500 درهم، بل وتتجاوز ذلك بالنسبة للأنواع ذات الجودة العالية. هذا الارتفاع المتواصل لا يعكس فقط دينامية الطلب، بل يكشف عن اختلالات أعمق في سلسلة الإنتاج والتوزيع.
كلفة الإنتاج… الحلقة التي تشعل الأسعار
يرى مهنيون أن فهم موجة الغلاء يمر أولاً عبر تفكيك كلفة الإنتاج، التي شهدت ارتفاعاً غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة. فالجفاف المتواصل، وندرة المراعي، والاعتماد المتزايد على الأعلاف المركبة، كلها عوامل رفعت كلفة تربية الماشية إلى مستويات قياسية.
وبحسب فاعلين في القطاع، فإن كلفة تربية خروف واحد قد تتجاوز في عدد من الحالات 3500 درهم، ما يجعل الأسعار المرتفعة في السوق انعكاساً مباشراً لهذه التكاليف، وليس فقط نتيجة مضاربات كما يروج البعض.
الدعم الحكومي… أثر محدود على الأسعار
ورغم الإجراءات التي أعلنتها الحكومة لدعم القطاع الفلاحي ومربي الماشية، إلا أن عدداً من المهنيين يعتبرون أن هذا الدعم، وإن كان مهماً، لم ينجح في خفض الكلفة بشكل ملموس، ولم ينعكس بشكل مباشر على السعر النهائي للمستهلك.
هذا الواقع يعيد طرح سؤال نجاعة السياسات العمومية في مواجهة تقلبات السوق، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين دعم المنتج وحماية المستهلك.
الوسطاء يرفعون الفاتورة… من الضيعة إلى السوق
من بين العوامل الحاسمة في تضخم الأسعار، تعدد حلقات التوزيع بين المربي والمستهلك. فالأضحية تمر غالباً عبر ثلاثة أو أربعة وسطاء قبل أن تصل إلى السوق، وكل حلقة تضيف هامش ربح جديداً.
هذا المسار يفسر الفارق الكبير بين سعر الخروف في الضيعة وسعره في السوق، والذي قد يتراوح بين 1500 و2300 درهم، ما يجعل المستهلك هو الحلقة الأضعف التي تتحمل عبء هذه الزيادات المتراكمة.
الشراء المبكر… حل أم وقود للغلاء؟
في مواجهة هذا الوضع، يتجه عدد متزايد من المواطنين نحو الشراء المبكر أو التوجه مباشرة إلى الضيعات، في محاولة لتفادي ارتفاع الأسعار وضمان جودة الأضحية.
غير أن هذا السلوك، رغم وجاهته من الناحية الفردية، يساهم في رفع الطلب بشكل مبكر، ما يؤدي إلى تسريع وتيرة ارتفاع الأسعار حتى قبل بلوغ ذروة الموسم، ويحوّل السوق إلى ما يشبه “مرجلاً يغلي” منذ أسابيع.
سوق متقلب… “كل نهار بثمنو”
المهنيون يجمعون على أن سوق الأضاحي هذا العام يعيش على وقع تقلبات يومية، حيث تتغير الأسعار بشكل مستمر تبعاً لمستوى العرض والإقبال، في ظل غياب آليات تنظيمية صارمة تضبط السوق.
هذه الدينامية جعلت من الصعب التنبؤ بمستوى الأسعار في الأيام الأخيرة قبل العيد، حيث يُرجح أن تشهد مزيداً من الارتفاع مع اشتداد الطلب.
طلب متجدد بعد سنة استثنائية
عودة الطلب بقوة هذا الموسم، بعد سنة سابقة عرفت تراجعاً في الإقبال، ساهمت بدورها في رفع الأسعار. فقد انتقلت الأثمنة من مستويات تراوحت بين 3600 و4500 درهم في الموسم الماضي، إلى سقف يتجاوز اليوم 5000 درهم بالنسبة للأضاحي المتوسطة.
هذا التحول يعكس تراكماً في الطلب، ورغبة لدى الأسر في تعويض موسم سابق، ما زاد من الضغط على السوق.
بين منطق السوق وغياب الضبط
عدد من الفاعلين يرون أن السوق تُركت إلى حد كبير لآليات العرض والطلب، دون تدخل تنظيمي كافٍ للحد من المضاربة أو ضبط الأسعار. ويشيرون إلى أن بعض المتدخلين يتعمدون تأخير البيع انتظاراً لارتفاع أكبر في الأيام الأخيرة، ما يفاقم من حدة “التوتر السعري”.
معادلة صعبة… بين الشعيرة والميزانية
في النهاية، يجد المواطن المغربي نفسه أمام معادلة معقدة: أداء شعيرة دينية ذات رمزية قوية، في مقابل ميزانية أسرية مثقلة بغلاء المعيشة.
وبين وفرة القطيع وارتفاع الأسعار، يتضح أن التحدي الحقيقي لم يعد في توفر الأضحية، بل في القدرة على اقتنائها، في موسم يبدو أنه سيكون من أكثر المواسم كلفة في السنوات الأخيرة.






