حكومة أخنوش.. حصيلة “الوفاء بالعهود” التي أرست دعائم الدولة الاجتماعية وصنعت الاستثناء المغربي ورهانات الاستدامة الاقتصادية

في عرض سياسي واقتصادي انتظره المتتبعون، قدّم رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمان مؤخرا حصيلة مرحلية لعمل حكومته (2021–2026)، في سياق وطني ودولي معقد اتسم بتداعيات الجائحة، وارتفاع التضخم العالمي، وتوالي الأزمات المناخية. الحصيلة التي حملت عنوان “الوفاء بالعهود” سعت إلى إبراز انتقال البرنامج الحكومي من مستوى الالتزامات إلى مستوى التنفيذ، مع التركيز على ورش “الدولة الاجتماعية” كخيط ناظم لمختلف السياسات العمومية.
الدولة الاجتماعية.. إصلاح هيكلي أم استجابة ظرفية؟
أبرز ما ميز العرض الحكومي هو التأكيد على تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، الذي يُعد من أكبر الإصلاحات البنيوية في المغرب خلال العقود الأخيرة. فقد تم تعميم التغطية الصحية الإجبارية (AMO) لتشمل فئات واسعة من المواطنين، في خطوة تروم تقليص الفوارق الاجتماعية وضمان الولوج العادل للعلاج.
كما شكل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر أحد أعمدة هذه السياسة، حيث تم صرف تحويلات مالية لفائدة الأسر ذات الدخل المحدود، بلغ مجموعها التراكمي أكثر من 52 مليار درهم إلى حدود مطلع 2026. هذا الإجراء ساهم، وفق المعطيات الحكومية، في التخفيف من آثار التضخم وارتفاع كلفة المعيشة.
غير أن هذا الورش، رغم أهميته، يطرح تحديات مرتبطة بالاستدامة المالية، خاصة في ظل الضغط المتزايد على الميزانية العامة، ما يستدعي تعزيز مصادر التمويل وضمان نجاعة الاستهداف.
اقتصاد مرن في سياق دولي مضطرب
على المستوى الاقتصادي، شددت الحصيلة الحكومية على قدرة الاقتصاد المغربي على الصمود، رغم التقلبات الدولية. فقد راهنت الحكومة على تحفيز الاستثمار عبر “ميثاق الاستثمار الجديد”، الذي يهدف إلى جذب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، خاصة في القطاعات الواعدة مثل الطاقات المتجددة وصناعة السيارات.
هذا التوجه ساهم في تعزيز جاذبية المغرب كوجهة استثمارية، وخلق دينامية اقتصادية انعكست على سوق الشغل، رغم استمرار تحديات البطالة، خاصة في صفوف الشباب.
في السياق ذاته، سجل القطاع السياحي انتعاشاً لافتاً، حيث استقبل المغرب حوالي 20 مليون سائح، بمداخيل بلغت نحو 138 مليار درهم، وهو رقم قياسي يعكس استعادة الثقة الدولية في الوجهة المغربية، مدعوماً بالاستقرار الأمني والبنية التحتية السياحية.
تدبير الأزمات.. اختبار حقيقي للنجاعة
لم تغب الأزمات عن هذه الولاية الحكومية، حيث واجهت الحكومة تحديات كبرى، أبرزها تداعيات زلزال الحوز. وقد أكدت الحصيلة الحكومية صرف مساعدات لفائدة أكثر من 63 ألف أسرة متضررة، مع تسريع وتيرة إعادة الإعمار وبناء المساكن والمؤسسات التعليمية.
كما ركزت الحكومة على التحكم في معدلات التضخم، التي يُتوقع أن تستقر في حدود 1.3%، بفضل مجموعة من الإجراءات، من بينها استمرار دعم المواد الأساسية عبر صندوق المقاصة.
ورغم هذه المؤشرات، يظل النقاش قائماً حول مدى انعكاس هذه السياسات على القدرة الشرائية للمواطن، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار بعض المواد والخدمات.
التعليم والصحة.. رهان الاستثمار في الرأسمال البشري
في قطاعي التعليم والصحة، أكدت الحكومة تخصيص ميزانيات غير مسبوقة، في إطار رؤية تعتبر أن الاستثمار في الإنسان هو أساس التنمية.
ففي المجال الصحي، تم تأهيل مئات المراكز الصحية وتقريب الخدمات من المواطنين، خاصة في المناطق القروية. أما في التعليم، فقد شهد القطاع حواراً اجتماعياً وُصف بـ”التاريخي”، أفضى إلى تحسين وضعية نساء ورجال التعليم، وإطلاق برامج جديدة مثل “مدارس الريادة”، التي تهدف إلى تحسين جودة التعلمات وتقليص الفوارق.
غير أن هذه الإصلاحات، رغم طموحها، تظل في حاجة إلى تقييم ميداني لقياس أثرها الفعلي على جودة الخدمات، ومدى استجابتها لتطلعات المواطنين.
قراءة في الحصيلة: بين المنجز والتحدي
الحصيلة التي قدمها رئيس الحكومة تعكس دون شك حجم الجهود المبذولة في سياق صعب، وتبرز انتقالاً ملحوظاً نحو تفعيل أوراش اجتماعية كبرى، خاصة في مجال الحماية الاجتماعية.
غير أن تقييم هذه الحصيلة لا يمكن أن يقتصر على الأرقام والمؤشرات الكلية، بل يتطلب الوقوف عند الأثر الحقيقي لهذه السياسات على الحياة اليومية للمواطنين، ومدى قدرتها على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض على الحكومة مواصلة الإصلاحات، مع التركيز على:
- تعزيز فرص الشغل، خاصة للشباب؛
- تحسين جودة الخدمات العمومية؛
- ضمان استدامة المالية العمومية؛
- وتقوية الثقة بين المواطن والمؤسسات.
بين خطاب “الوفاء بالعهود” وواقع التحديات، تظل حصيلة حكومة عزيز أخنوش محطة سياسية مهمة لتقييم مسار الإصلاح في المغرب. فهي من جهة تؤكد تحقيق تقدم في عدد من الأوراش الكبرى، ومن جهة أخرى تفتح نقاشاً مشروعاً حول ما تبقى من رهانات، في أفق استكمال بناء نموذج تنموي أكثر إنصافاً ونجاعة.
المغرب، وفق هذه الحصيلة، يسير بخطى ثابتة، لكن الطريق نحو تحقيق الأهداف المعلنة لا يزال يتطلب نفساً إصلاحياً متواصلاً، وتوازناً دقيقاً بين الطموح والإمكانات.






