الصحراء المغربية أمام منعطف جديد… دي ميستورا يقرّ بفرصة واقعية للحل والمغرب يرسّخ موقعه كقوة اقتراح واستقرار

في تطور دبلوماسي لافت داخل أروقة الأمم المتحدة، كشف المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، عن وجود “فرصة حقيقية” للتوصل إلى حل نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، في ظل دينامية سياسية وصفها بـ”الإيجابية”، مع حديث متزايد عن إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل أكتوبر المقبل.
هذا التصريح، الذي جاء خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن، يعكس تحولاً تدريجياً في مقاربة الملف داخل الأمم المتحدة، ويؤشر على انتقال النقاش من مرحلة الجمود إلى مرحلة البحث عن تسوية عملية، قائمة على الواقعية والبراغماتية.
دينامية جديدة داخل مجلس الأمن
بحسب المعطيات المتداولة من جلسة نيويورك، أكد دي ميستورا أن مسار العملية السياسية يعرف “زخماً حقيقياً”، مع وجود مؤشرات تدفع نحو بلورة حل دائم ومتوافق عليه، في إطار قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار رقم 2797 لسنة 2025.
هذا الزخم لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة سلسلة من المشاورات المكثفة التي جرت خلال الأشهر الماضية، والتي ساهمت في إعادة ترتيب عناصر النقاش، والانتقال نحو مقاربة أكثر وضوحاً، تركز على الحلول الواقعية بدل الطروحات الجامدة.
المغرب… من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة
في قلب هذا التحول الدبلوماسي، يبرز المغرب كفاعل مركزي في صياغة الحل، من خلال تقديم نسخة مفصلة وموسعة من مبادرة الحكم الذاتي، التي اعتبرها المبعوث الأممي خطوة مهمة تستجيب لطلب الأمم المتحدة بضرورة توضيح تفاصيل المقترح.
هذا التطور يعكس قوة الموقف المغربي، الذي انتقل من موقع التفاعل مع المسار الأممي إلى موقع المبادرة وصياغة الحلول. فـ محمد السادس يقود منذ سنوات مقاربة دبلوماسية هادئة لكنها فعالة، تقوم على تثبيت الواقعية السياسية، وتعزيز الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً جدياً لأي تسوية مستقبلية.
دي ميستورا: حل واقعي يقترب… والوقت عامل حاسم
في إحاطته أمام مجلس الأمن، شدد دي ميستورا على أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة، مشيراً إلى سعيه لعقد لقاءات جديدة بين الأطراف المعنية قبل أكتوبر، وهو الموعد المرتبط بمراجعة ملف بعثة “المينورسو” وعرضه مجدداً على المجلس.
هذا التوجه يعكس ضغطاً زمنياً واضحاً داخل المسار الأممي، حيث يسعى المجتمع الدولي إلى الانتقال من تدبير الأزمة إلى تسوية نهائية، تقوم على اتفاق إطار واضح، وآلية تنفيذ محددة، وربما مرحلة انتقالية لتطبيقه.
واقعية الحل… وانسداد خيارات الأطروحات الأخرى
اللافت في تصريحات المبعوث الأممي هو دعوته الصريحة إلى ضرورة تقديم “تنازلات تاريخية”، في إشارة إلى الأطراف الأخرى، وعلى رأسها جبهة البوليساريو، التي ما تزال، بحسب تعبيره، متحفظة على الانخراط الكامل في العملية السياسية.
هذا الطرح يعكس تحوّلاً في لغة الأمم المتحدة نفسها، التي باتت تتحدث عن “الحل الممكن” بدل “الحل المثالي”، وهو ما ينسجم مع المقاربة المغربية التي طالما دعت إلى حل سياسي واقعي، قابل للتطبيق، ويحفظ الاستقرار الإقليمي.
المغرب كفاعل استقرار إقليمي
المعطى الأبرز في هذا المسار هو أن المغرب لم يعد يُنظر إليه فقط كطرف في نزاع، بل كـ“فاعل استقرار” في المنطقة. فبفضل دبلوماسية متدرجة وهادئة، استطاع ترسيخ دعم متزايد لموقفه، سواء داخل الأمم المتحدة أو على مستوى عدد من القوى الدولية.
هذا التحول يعكس قوة الدولة المغربية في تدبير ملف معقد وممتد، عبر الجمع بين الشرعية التاريخية، والواقعية السياسية، والانخراط في الحلول الأممية، دون الانزلاق نحو التصعيد أو الجمود.
اجتماعات متعددة ومسار تفاوضي متجدد
الإحاطة الأممية أشارت أيضاً إلى سلسلة من الاجتماعات التي انطلقت من مدريد، مروراً بواشنطن، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، تحت إشراف دبلوماسيين دوليين.
هذه اللقاءات، رغم طابعها غير الرسمي أحياناً، ساهمت في إعادة فتح قنوات الحوار، وطرح عناصر تقنية تتعلق بالحكامة، والتدبير المحلي، والضمانات المؤسساتية، وهي عناصر جوهرية في أي تسوية مستقبلية.
قوة المقترح المغربي في المعادلة الدولية
من أبرز عناصر القوة في هذا المسار، استمرار الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر اليوم مرجعاً أساسياً في أي نقاش جدي حول الحل.
فـ محمد السادس، عبر رؤية استراتيجية طويلة المدى، نجح في نقل الملف من منطق الصراع المفتوح إلى منطق الحل السياسي الواقعي، القائم على التوافق وليس المواجهة.
هذا التحول لم يكن ظرفياً، بل نتيجة تراكم دبلوماسي طويل، جعل المغرب لاعباً مركزياً في هندسة أي تسوية مستقبلية.
نحو أكتوبر… محطة حاسمة في المسار
موعد أكتوبر المقبل يبدو اليوم محطة مفصلية، ليس فقط بسبب انتهاء ولاية بعثة “المينورسو”، بل لأنه يمثل فرصة لإعادة تقييم المسار ككل، وربما الانتقال إلى مرحلة جديدة من التفاوض المباشر حول اتفاق إطار.
في هذا السياق، يبرز المغرب كطرف جاهز لأي تطور، مستنداً إلى مقترح واضح، ودعم دولي متزايد، ورؤية تعتبر أن الحل لا يمكن أن يكون إلا سياسياً، عملياً، وقابلاً للتنفيذ.
من إدارة النزاع إلى هندسة الحل
تصريحات ستافان دي ميستورا تعكس تحولاً مهماً في الخطاب الأممي، من إدارة نزاع طويل الأمد إلى محاولة هندسة حل نهائي.
وفي قلب هذا التحول، يبرز المغرب كقوة اقتراح واستقرار، استطاعت عبر سنوات من العمل الدبلوماسي الهادئ أن تفرض مقاربتها كخيار جدي وواقعي.
ومع اقتراب محطة أكتوبر، يبدو أن الملف يدخل مرحلة اختبار حقيقي: إما التقدم نحو تسوية تاريخية، أو إعادة تدوير الأزمة. لكن المؤشرات الحالية، وفق المعطيات الأممية، تميل أكثر نحو الاحتمال الأول… حيث يزداد حضور الحل، ويترسخ موقع المغرب كطرف أساسي في صياغته.






