استغلال انتخابي يحاصر رؤساء جماعات.. جهة فاس-مكناس تحت مجهر وزارة الداخلية بعد تقارير تفتيش تكشف اختلالات خطيرة في تدبير التوريدات والصفقات

تشهد عدد من الجهات، وفي مقدمتها جهة فاس-مكناس، حالة استنفار إداري واسع، عقب تحرك المصالح المركزية لوزارة الداخلية، إثر توصلها بتقارير تفتيش دقيقة كشفت مؤشرات قوية على وجود شبهات استغلال انتخابي في تدبير بعض الصفقات والتوريدات داخل جماعات ترابية، خاصة ما يتعلق بمواد البناء وسندات الطلب.
وتفيد المعطيات المتوفرة أن هذه التقارير، التي شملت أيضاً جهات الدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي والرباط-سلا-القنيطرة، سجلت اختلالات مرتبطة بطريقة تمرير سندات الطلب واستعمالها في مجالات كان يفترض أن تخضع لمنافسة شفافة، حيث تم رصد حالات تتعلق بتوريدات وُجهت شكلياً لإصلاح بنايات إدارية، دون توفر ما يثبت إنجاز الأشغال ميدانياً أو تحديد مواقعها بدقة.
وفي جهة فاس-مكناس، أظهرت التقارير وجود صعوبات في تبرير صرف اعتمادات مالية مهمة، مخصصة لأشغال غير موثقة تقنياً، في ظل ضعف الإمكانيات البشرية داخل بعض الأقسام التقنية، وغياب منظومة تتبع دقيقة تسمح بمراقبة تنفيذ المشاريع على أرض الواقع.
الأخطر، حسب نفس المعطيات، هو رصد اختلالات في تدبير مواد البناء، من إسمنت وطوب وصباغة وأنابيب، حيث تم تسجيل عمليات توزيع خارج الإطار الإداري المعلن، لفائدة جمعيات وتعاونيات وأفراد، دون سند قانوني واضح يحدد الغاية النهائية من هذه المواد، ما فتح باب التساؤلات حول إمكانية استعمالها في سياقات ذات طابع انتخابي أو اجتماعي انتقائي.
وتذهب التقارير ذاتها إلى أن عدداً من الجماعات لجأ إلى تفتيت الصفقات العمومية إلى سندات طلب صغيرة، في حدود سقف مالي لا يتجاوز 200 ألف درهم، بهدف تفادي مساطر طلب العروض، وهو ما سمح بتمرير معاملات لفائدة ممونين محددين، تربط بعضهم علاقات غير واضحة مع منتخبين أو مسؤولين جماعيين، في ما يشبه إعادة إنتاج آليات ريع محلي مقنع.
كما سجلت مصالح التفتيش وجود وثائق تسلم مرتبطة بتوريدات لم يتم التحقق من وجودها الفعلي، أو مطابقتها للمعايير التقنية، حيث تم استعمالها لتبرير نفقات عمومية، في إطار ما وصفته التقارير بـ”تحايل إداري” على قواعد الصفقات العمومية، مستفيداً من مرونة سندات الطلب وضعف المراقبة القبلية.
وتبرز خطورة هذه المعطيات في كونها لا ترتبط فقط بجوانب تقنية أو محاسبية، بل تمتد إلى شبهات توظيف انتخابي غير مباشر للموارد العمومية، عبر توجيه مواد وتجهيزات نحو شبكات محلية أو فاعلين محددين، بما قد يؤثر على توازنات اجتماعية داخل بعض الجماعات، خصوصاً في الفترات التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية.
وفي السياق نفسه، كشفت التقارير عن اختلالات في مساطر الجرد والتتبع، حيث غياب دفاتر دقيقة لتحديد مصير المواد المقتناة، وعدم تعيين مسؤولين واضحين عن تتبعها، إلى جانب تسجيل اختلالات في السجلات المحاسبية الداخلية، ما يضعف منسوب الشفافية داخل بعض المجالس المنتخبة.
وبناء على هذه المعطيات، يرتقب أن تباشر السلطات الإقليمية، خاصة داخل جهة فاس-مكناس، عمليات تدقيق ميدانية موسعة، تشمل التحقق من مدى إنجاز الأشغال المرتبطة بالتوريدات موضوع الشكوك، وفحص جودة المواد المستعملة، بعد تسجيل وجود كميات غير صالحة للاستعمال أو لا تستجيب للمعايير التقنية المعتمدة.
كما ستشمل هذه التحريات مراجعة شاملة لسلاسل الصرف والتموين، وتحليل العلاقات التي تربط بعض الممونين بالمجالس الجماعية، في إطار مقاربة تروم تعزيز الشفافية، وإعادة ضبط قواعد الحكامة المالية داخل الجماعات الترابية، بما يضمن احترام مساطر الصفقات العمومية وتكافؤ الفرص.
ويأتي هذا التحرك في سياق وطني أوسع يتميز بتشديد الرقابة على تدبير الشأن المحلي، وإعادة هيكلة آليات المراقبة الإدارية والمالية، في ظل تنامي التحديات المرتبطة بتدبير المال العام، والحاجة إلى ترسيخ مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتؤكد هذه التطورات أن جهة فاس-مكناس أصبحت في قلب نقاش عمومي متجدد حول الحكامة المحلية، خاصة في ظل التباين المسجل بين الجماعات من حيث التدبير والنجاعة، ما يستدعي، وفق متتبعين، تعزيز التكوين التقني للموارد البشرية، وتحديث أدوات الرقابة والتتبع، وربط التمويل العمومي بنتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي المحصلة، يعيد هذا الملف طرح سؤال جوهري حول حدود استعمال الآليات المالية المحلية، ومدى قدرتها على الصمود أمام محاولات التوظيف غير المشروع، سواء لأغراض انتخابية أو شبكات نفوذ محلية، في انتظار ما ستسفر عنه عمليات التدقيق الجارية من معطيات قد تعيد رسم ملامح تدبير الشأن الترابي في عدد من الجماعات.






