موسم “الانتدابات السياسية” ينطلق… رياح صفقات التخلي عن الدوائر البرلمانية تشتد بجهة فاس مكناس

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح ما يمكن وصفه بـ“موسم الصفقات السياسية” في البروز بشكل واضح داخل المشهد الحزبي بجهة جهة فاس مكناس، حيث تشير معطيات متقاطعة من الفاعلين المحليين إلى تحركات مكثفة داخل بعض الدوائر الانتخابية، تتسم بإعادة ترتيب الخريطة السياسية بعيداً عن منطق التمثيلية التقليدية، وبمنطق أقرب إلى “إعادة تسويق المقاعد” داخل عدد من الأحزاب.
في هذا السياق، تتحدث مصادر سياسية محلية عن حالة غير مسبوقة من “التخلي التدريجي” عن بعض الدوائر البرلمانية من طرف عدد من البرلمانيين والبرلمانيات، سواء بشكل مباشر أو عبر إعادة توزيع المواقع، في إطار تفاهمات داخلية أو تفاوضات غير معلنة حول من سيخلفهم في الترشيح، وهو ما فتح الباب أمام دينامية داخلية قائمة على إعادة إنتاج التمثيلية وفق اعتبارات تتجاوز في كثير من الأحيان القاعدة الانتخابية التقليدية.
وتشير نفس المعطيات إلى أن جزءاً من هؤلاء المنتخبين باتوا ينسحبون من دوائرهم أو يعيدون تموقعهم السياسي، في مقابل ترتيبات جديدة داخل أحزابهم أو عبر قنوات تفاوض مع فاعلين سياسيين آخرين، حيث تحولت بعض المقاعد إلى موضوع نقاشات داخلية حول “من يستحق التزكية” أكثر مما هي نقاشات حول البرامج أو الأداء التشريعي، في مؤشر على تحول عميق في منطق الاشتغال السياسي.
وفي المقابل، برزت موجة أخرى داخل الجهة تتمثل في بحث عدد من الفاعلين عن “مظلات حزبية جديدة”، عبر الانتقال إلى أحزاب أخرى أكثر قدرة على ضمان التزكية الانتخابية أو إعادة تموقعهم داخل الخريطة السياسية المقبلة، وهو ما يعكس دينامية إعادة تشكيل النخب السياسية المحلية وفق حسابات انتخابية دقيقة ترتبط بميزان القوى داخل كل حزب على حدة.
هذا المشهد، الذي يتطور بهدوء لكنه يحمل مؤشرات قوية على إعادة توزيع غير معلن للمقاعد البرلمانية، يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة بين التمثيلية السياسية والمصالح الانتخابية، خاصة في ظل حديث متزايد داخل الأوساط المحلية عن منطق “المقايضة السياسية” التي وصلت الى الحصول على أضرفة من الملايين الذي بات يطغى على بعض مراحل التحضير للانتخابات، حيث تتحول التزكيات إلى نقطة محورية في إعادة تشكيل الخريطة الحزبية.
وفي سياق جهة فاس مكناس، يبدو أن هذا التحول يأخذ بعداً أكثر وضوحاً، بالنظر إلى ثقلها الانتخابي وتعدد الفاعلين السياسيين داخلها، ما يجعلها مجالاً خصباً لإعادة التموقعات السياسية، سواء عبر انتقالات فردية أو عبر إعادة توزيع داخلية للمقاعد، في ظل سباق مبكر نحو ضمان مواقع متقدمة في لوائح الترشيح المقبلة.
غير أن هذا الوضع يثير نقاشاً أوسع حول مستقبل التمثيلية البرلمانية ودورها في التأطير السياسي، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الموجهة إلى بعض الممارسات التي تُفرغ العمل السياسي من محتواه التمثيلي، وتحوله إلى فضاء لتدبير التوازنات أكثر من كونه آلية للتعبير عن الإرادة الشعبية.
كما يطرح هذا “الموسم السياسي المبكر” أسئلة حول مدى تأثير هذه التحركات على ثقة المواطن في العملية الانتخابية برمتها، خاصة إذا ما استمرت المؤشرات الحالية في اتجاه إعادة إنتاج نفس الوجوه بنفس المنطق، ولكن داخل هياكل حزبية مختلفة، وهو ما قد يعمق فجوة الثقة بين الناخب والمؤسسة التمثيلية.
وفي ظل هذا السياق المتحرك، تبدو جهة فاس مكناس مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل واسعة للمشهد السياسي المحلي، حيث تتقاطع حسابات الأحزاب مع طموحات الأفراد، في مشهد يعكس دينامية سياسية متسارعة، لكنها في الوقت ذاته تضع التمثيلية البرلمانية أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرتها على الحفاظ على بعدها المؤسساتي بعيداً عن منطق التموقعات الضيقة.






