فاس بين فوضى الإشهار العمومي واختلالات تدبير المجال الحضري: لوحات إعلانية تُشوّه الجمالية وتطرح أسئلة حول الحكامة وتدخل سلطات الولاية

تشهد مدينة فاس في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في انتشار اللوحات الإشهارية بمختلف شوارعها الرئيسية والتجارية، في مشهد يثير جدلاً واسعاً بين متتبعين للشأن المحلي وساكنة باتت ترى في هذا الانتشار غير المنظم تهديداً حقيقياً لجمالية المدينة التي تخضع بدورها لورش تأهيل حضري متقدم، تقوده سلطات ولاية جهة فاس مكناس في إطار رؤية تروم إعادة الاعتبار للمجال الحضري.
ففي الوقت الذي تعرف فيه المدينة عمليات تأهيل واسعة همّت الشوارع الرئيسية والفضاءات العمومية، برزت ظاهرة استحواذ بعض الشركات على مساحات واسعة من الملك العمومي من أجل تثبيت لوحات إشهارية ضخمة، في غياب، حسب ملاحظات ميدانية، لانسجام هذه المنشآت مع الطابع الجمالي العام للمدينة، بل إن بعضها أصبح يشكل تشويها بصرياً واضحاً، خاصة في المناطق التي تم تأهيلها حديثاً.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن عدداً من هذه اللوحات يتم تثبيتها بطريقة عشوائية، أحياناً عبر حفر الأرصفة أو تثبيت قواعد إسمنتية و براغي حديدية تشكل خطورة في أماكن مخصصة للراجلين، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن السلامة العامة، خصوصاً أن بعض هذه الهياكل المعدنية الكبيرة قد تشكل خطراً في حال تعرضها لرياح قوية أو تآكل تقني مع مرور الزمن، ما يجعلها تهديداً محتملاً لحركة المواطنين داخل الفضاء العام.
كما أن عدداً من الفاعلين المحليين يثيرون مسألة تضخم الإشهار في بعض المحاور الحيوية، حيث تحولت شوارع رئيسية داخل فاس إلى فضاءات مكتظة باللوحات الإعلانية، في مشهد يصفه البعض بأنه أقرب إلى “سوق مفتوح للإشهار”، لا يراعي التوازن البصري ولا الخصوصية التاريخية والمعمارية للمدينة، التي تعد من أعرق الحواضر المغربية ذات الطابع التراثي.
هذا الوضع يطرح تساؤلات ملحة حول مدى احترام الشركات المستغلة للمعايير القانونية والتقنية المؤطرة لاستغلال الملك العمومي، وكذا حول دور الجماعات الترابية في مراقبة هذا القطاع، خاصة في ظل مؤشرات على ضعف التتبع وغياب الصرامة في تطبيق دفاتر التحملات، وهو ما يفتح الباب أمام اختلالات تتعلق بتوزيع الرخص واستغلال الفضاءات العمومية دون رؤية جمالية أو تخطيط حضري منسجم.
وفي هذا السياق، تتعالى الدعوات من داخل المدينة إلى ضرورة تدخل حازم من طرف سلطات ولاية جهة فاس مكناس من أجل إعادة تنظيم قطاع الإشهار الحضري، عبر مراجعة شاملة للرخص الممنوحة، وإزالة اللوحات التي لا تحترم المعايير الجمالية أو التي تشكل خطراً على المارة، مع وضع حد لانتشارها غير المنضبط داخل الأحياء والشوارع التي خضعت مؤخراً لعمليات تأهيل كبرى.
كما يطالب فاعلون محليون بضرورة اعتماد مقاربة جديدة تقوم على تقنين صارم لعدد اللوحات الإشهارية، وتحديد مواقعها بدقة بما ينسجم مع التصميم العمراني للمدينة، بدل الانتشار العشوائي الذي يهدد بانسلاخ الفضاء الحضري من هويته البصرية، خاصة في مدينة مثل فاس التي تراهن على استعادة إشعاعها التاريخي والسياحي.
وتؤكد هذه الإشكالات أن ملف الإشهار الحضري لم يعد مجرد قضية تقنية أو مالية مرتبطة بالرسوم الجماعية، بل أصبح قضية مرتبطة بجودة العيش وصورة المدينة وهويتها البصرية، ما يستدعي، وفق متتبعين، إعادة النظر في طريقة تدبيره وربطه بمنطق التخطيط الحضري المستدام، وليس بمنطق الاستغلال التجاري فقط.
في المحصلة، تبدو مدينة فاس أمام تحد مزدوج، يتمثل في مواصلة مشاريع التأهيل الحضري من جهة، وإعادة ضبط الفضاء العمومي من جهة أخرى، بما يضمن التوازن بين التنمية الجمالية والاقتصادية، ويحافظ على هوية المدينة التي لا تحتمل مزيداً من التشويه البصري أو الاستغلال غير المنظم للملك العمومي، في انتظار قرارات حازمة تعيد الانسجام إلى المشهد الحضري وتضع حداً لفوضى الإشهار.






